آخر الأخبار

العودة إلى الخرطوم … مواطنون يحملون حقائب الوجع

  • ليست رحلة في الجغرافيا بل ارتماء في حضن الوطن
  • مواطنة: المنازل مبعثرة وبعض الاسقف ليست موجودة

الخرطوم – نعمات ابوزيد:
عودة المواطنيين إلى العاصمة الخرطوم لمنازلهم التي هجروها لسنوات بسبب الحرب اللعينة التي أرهقت كاهل المواطن الضعيف ليست مجرد رحلة في الجغرافيا، بل هي ارتماء في حضن الذاكرة، ومحاولة للمس النيل بعد طول غياب.. هي تلك اللحظة التي تتوقف فيها عقارب الساعة عند أول شهيق لهواء (المقرن)، مقرن النيلين حيث تلتقي العواطف كما يلتقي النيلان، حاملةً معها مزيجاً من الشوق والتوجس والأمل وحنين الطريق والأمكنة.
لا تبدأ العودة من لحظة الهبوط في المطار، أو وصول البصات القادمة من داخل وخارج السودان بل تبدأ من فكرة تراودك وأنت بعيد؛ من صوت (الترتار) في الأزقة، ورائحة القهوة التي تفوح من البيوت المفتوحة، ومن ضجيج الأسواق الذي كان يوماً يزعجنا فأصبحنا اليوم نحنّ إليه. العودة هي استعادة الملامح التي غيرتها الغربة، ومحاولة العثور على أنفسنا في وجوه المارة الذين يشبهوننا في كل شيء.
ملامح العودة المنتظرة:


عناق النيل.. الجلوس على الشاطئ ومراقبة الموج وهو يغسل تعب السنين لمة الأهل ذاك الدفء الذي لا تعوضه ناطحات السحاب ولا الشوارع المنظمة في بلاد الغربة.
تفاصيل الشوارع: حتى الغبار العالق في زوايا النوافذ يبدو في لحظة العودة وكأنه يرحب بالغائبين العائدون إلى ديارهم بعد طول سنين.
الخرطوم ليست مجرد عاصمة، هي نبض يسكننا أينما ذهبنا، والعودة إليها هي التصالح الأجمل مع الذات ، ذكريات كثيرة يذكرونها بحلوها ومرها ليجدوا آثارها عالقة بالجدران والنوافذ التي غطتها الألام قبل الأتربة التي لاتزال عالقة بها.
معاناة الوصول:
عدد من المواطنين الذين عادوا إلى العاصمة الخرطوم بعد هجرة ولجو قسري هاتفناهم للوقوف على معاناة الوصول واستقبال منازلهم لهم بعد طول غياب وكانت الأجوبة صادمة تحمل حزنا عميقا واسي يصعب نسيانه.
 انعدام الخدمات:


وابتدرت المواطنة العائدة (ن- م) حديثها قائلة عدنا إلى منازلنا وكأننا أغراب عنها فالمكان رغم معرفتنا به نشعر إنه ليس هو المكان الذي عشنا فيه وكانت لنا معه ذكريات.. المنزل مبعثر وبعض الاسقف في العديد من البيوت ليست موجودة ..هذا بجانب الخدمات التي انعدمت ايضا بفعل أولئك الأوباش الذين دموروها بلا رحمة ولكن يحدون أمل كبير ونحن نعود إلى ديارنا أن تعود الحياة لها وفيها بالتدريج وتعود الخدمات من مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس حسب وعود المسؤولين والجهات المعنية بإصلاح ما افسده الدهر.
استقرار وأمان:

وقالت الزميلة الصحفية إنتصار سعد التي كانت ضمن العائدين ..عدنا إلى منازلنا إلا أن الكآبة كانت سيدة الموقف عند دخول المنزل وجدنا (الرايش) الذي أثر على جدران المنزل والخريف الذي توالي عليه خلال سنتين ونحن في حالة نزوح وعدم وجود الكهرباء إلا أن خدمات المياه متوفرة نسبيا ونتمنى أن تصل البلاد إلى الاستقرار والامأن.
 عودة موجعة:
المواطنة فاطمة عمر التي عادت إلى الخرطوم بعد رحلات مع النزوح قالت: رجعنا إلى منازلنا وكأننا غرباء عليها فقد تغيرت بالكامل وتبعثرت ولم نعد نألفها وليست منزلنا فحسب. كل المنازل والحارة كانت في حالة سكون و نزوح الجيران واختفاء الاطفال من الطرقات ..صمت قاتل و خوفٌ صامت؛ خوف من المجهول، مما تغيّر، ممن رحلوا ولم يعودوا، ومن البيوت التي قد لا تتعرف على أصحابها.. خوف من أن تكون العودة موجعة أكثر من الغياب.
مطارات الغربة:


العودة للخرطوم العاصمة ليست مجرد قطع للمسافات، بل هي رحلة عكسية في الزمان، استعادة للذات التي تشتتت في مطارات الغربة ومحطات المنافي.. هي اللحظة التي يتوقف فيها ضجيج العالم الخارجي، لتسمع دقات قلبك وهي تتسارع مع أول شهيق لهواء (المقرن)، حيث يتعانق النيلان في مشهدٍ أزلي، يهمس للقادمين: (لقد طال الغياب).
لحظة اللقاء: انكسار أسوار الغربة عند عتبة الدار، تسقط كل حصون الصمت هناك، حيث يختلط البكاء بالضحك، وتذوب سنوات الانتظار في غمرة عناق واحد.. ضُمّيني يا أُمّي فإنَّ مدامعي.. غسلتْ غُبارَ البُعدِ والأسفارِ وإذا رأيتِ الشَّيبَ زارَ مَفارقي.. فالعِزُّ في حُضنِ الدِّيارِ دِياري.
عناق الأم هو المرفأ، وفزعة الإخوان هي السند الذي يقيم الظهر بعد انحناء الغربة.
في الخرطوم، لا تُحييك الوجوه فحسب، بل تُحييك الجدران، وتناديك الأزقة بأسمائك القديمة، وتشعرك (ست الشاي) بابتسامتها المعهودة أنك لم تغادر أبدًا، وأن مكانك ما زال محفوظًا في ذاكرة الشوارع.
أوساخ وقاذورات:
المواطن عزت المبارك من سكان سوبا غرب تحدث إلينا بلهجة تحمل كل استياء الدنيا ..قال إنه لم يتعرف على منزله من الأوساخ والقاذورات التي مارستها المليشيا بجانب سرقة كل المقتنيات التي به مشيرا إلى أنه حتى بئر السايفون الذي دفعت فيهو كل ما املك لم يسلم من كسر الصبة وتخريبه بالكامل ورغم المعاناة رجعنا إلا أن خدمة الكهرباء مازالت متذبذبة ونتمني أن تعود المياه لمجاريها وربنا يحفظ البلاد.