(أصداء سودانية) تفتح ملف سكك حديد السودان (1)
- السودان يمتلك أكبر شبكة سكك حديدية في أفريقيا.. فلماذا وكيف إنهارت؟
- معلومات تاريخية للجيل الذي لم يشاهد قاطرات البخار
- 18 طن فحم حجري تستهلكها قاطرة البخار بين الخرطوم وحلفا
- قاطرات الديزل الكهربائية بداية إنطلاقة سكك حديد السودان منذ الخمسينيات
تحقيق ــ التاج عثمان:
حضارة سادت ثم بادت.. هكذا وصف لي بعض قدامى العاملين بمدينة عطبرة حال سكك حديد السودان متأسفين على ما آلت إليه الأمور في هذا المرفق والذي يعد من أوائل خطوط السكك الحديدية في المنطقتين العربية والأفريقية حيث تجاوز عمرها اليوم المائة عام.. فلماذا وكيف إنهارت؟.. ما هي العوامل والأسباب التي أطاحت بها حتى وصلت لمرحلة الإنهيار الكامل؟.. وكيف يمكن إعادتها لسابق عصرها الذهبي؟ (أصداء سودانية) تبحث وتنقب ماضي وراهن ومستقبل سكك حديد السودان على حلقات عبر هذا الملف.
معلومات تاريخية:

معلومات تاريخية مهمة تحصلت عليها الصحيفة ننشرها في بداية هذا الملف، للجيل الحالي الذي ربما لم يشاهد القطارات البخارية سوى في الأفلام الأمريكية المعروفة بأفلام الكاوبويات، وكانت قاطرات البخار تجوب أرجاء البلاد المختلفة ناقلة الركاب والبضائع.. تعد سكك حديد السودان أقدم واطول شبكات السكك الحديدية في افريقيا والمنطقة العربية، حيث تمتد شبكتها على مسافة (5.800) كيلو متر، إلا أن اول عهد السودان بالسكك الحديدية كان عام 1874 في عهد محمد علي باشا والذي قام ببناء اول خط سكة حديد في السودان لكنه تعثر ولم يكتمل لصعوبات مالية، حتى تم إستئناف العمل فيه مرة أخرى عام 1897 بإفتتاح الخط الرئيسي بين وادي حلفا والخرطوم في العام 1899، وقبلها وفي العام 1897 تم إستيراد 6 قاطرات تجارية من بريطانيا من شركة (فولكان فاوندي) البريطانية من الطراز الحديث وقتها المعروف بـ(2 تي ــ 4 ــ 0) تم تصنيعها في بريطنيا ووصلت السودان عام 1897 وتم إستخدامها في الخط الرئيسي بين الخرطوم ووادي حلفا، عبر محطات رئيسية هي (شندي ــ عطبرة ــ أبو حمد)، بجانب خطوط أخرى فرعية تربط هذه المحطات بمدن أخرى في السودان يطلق عليها التقاطعات.. وتلك القاطرات التجارية الستة تعد بداية عصر السكك الحديدية بالسودان، وساهمت بفعالية في تطوير النقل والإقتصاد في تلك الحقبة.
بعدها تم إستيراد عربات الركاب والبضاعة من عدة دول، فمن بريطانيا تم إستيراد بعضها من مصانع (بريبسون)، ثم المانيا من مصانع شركة (كراوس ــ مافاي)، بجانب المصانع الهندية والتي تم إستيراد عربات ركاب وبضائع منها بعد إستقلال السودان، وكانت عربات الركاب وقتها غاية في الفخامة والراحة مجهزة بمقاعد خشبية ومبطنة وكل حجرة بها مروحة وإنارة جيدة، وكانت عربات الركاب تحتوي على بوفيه يقدم خدماته من طعام وعصائر وشاي وقهوة وغيرها للركاب على مدار الساعة، ومنها عربات خاصة يطلق عليها (عربات النوم) تضم سريرين فوق بعضهما البعض، وتمتاز بالفخامة والراحة وهي مخصصة للأسر صغيرة العدد.. اما عربات البضائع منها عربات مغلقة وأخرى مفتوحة لنقل مختلف البضائع.. ولقد خدمت هذه السكك الحديدية السودان لعقود وساهمت بجدارة في نقل الركاب والبضائع عبر مناطق البلاد المختلفة والنائية.
وفي البداية كان يقود قاطرات البخار سائقين أجانب خاصة من بريطانيا لخبرتهم الفنية في القطارات البخارية، بعدها تم تدريب وتأهيل سائقين وفنيين سودانيين لتولي قيادة القاطرات تحت إشراف سائقين بريطانيين لمعرفتهم بالميكانيكا البخارية، ومهارات قيادتها والتحكم والقدرة على التعامل مع الظروف الصعبة.
القاطرات البخارية:

منذ نشاتها الأولى إعتمدت سكك حديد السودان على القاطرات السحابة البخارية، بقوة (200 ــ 400) حصان بخاري (إتش بي)، بضغط بخاري (12 ــ 16) بار، قادرة على سحب (4 ــ 6) عربة، بسرعة قصوى (30 ــ 50) كلم/ ساعة.. والقاطرات البخارية كانت قوية قليلة الأعطال، وساهمت لعقود في تشغيل السكك الحديدية السودانية بجدارة.. وتبلغ حمولة عربات الركاب الدرجة الأولى الفاخرة (24 ــ 36) راكبا، وعربات الدرجة الثانية (36 ــ 48) راكبا، وعربات الدرجة الثالثة الخشبية المقاعد (48 ــ 60) راكبا.. اما عربات نقل البضائع المغلقة تبلغ حمولتها (20 ــ 30) طنا، ويبلغ طول العربة الواحدة (12 ــ 20) متر، وعرضها (2.5 ــ 3.5) مترا، وإرتفاعها (3 ــ 4) متر، وكانت تسمح بنقل كميات كبيرة من البضائع.
وحسب بعض البحوث التي أجريت على قاطرات البخار فإنها كانت تعمل بالفحم الحجري او الفحم البخاري، حيث يقوم العامل المعروف وقتها بـ(العطشجي) او مساعد سائق القطار، يقوم بإدخال الفحم للقاطرة عبر فتحة خاصة داخلها يتم إشعال الفحم في الفرن الموجود في القاطرة، والحرارة الناتجة عن إحتراق الفحم تقوم بتسخين الماء في الخزان الملحق بالقاطرة فيتولد البخار والذي يقوم بدفع المكبس الذي يقوم بدفع عجلات القاطرة مما يجعلها تتحرك وتنفث دخانا كثيفا أبيض وأسود يخرج من مدخنة القاطرة.. وعندما يتعذر الحصول على الفحم يتم إستخدام الحطب إلا أنه أقل كفاءة.. وتبلغ كمية الفحم الحجري التي تستهلكها القاطرة الواحدة في رحلتها من الخرطوم إلى حلفا القديمة حوالي (1 ــ 2) طن فحم لكل (100) كيلو متر واحد، وبما ان المسافة بين محطتي الخرطوم وحلفا حوالي (920) كيلو متر، فإستهلاك القاطرة الواحدة من الفحم الحجري للرحلة الواحدة بين الخرطوم وحلفا تبلغ (9 ــ 18) طن فحم، أي ان القاطرة الواحدة تستهلك (10 ــ 18) كيلو غرام فحم لكل كيلو متر.. ومعلوم ان الفحم البخاري الحجري يتميز عند حرقه بإنتاج حرارة عالية، ونسبة رطوبة ورماد منخفضة.. وكانت هيئة سكك حديد السودان تستورده من مناجم الفحم بغرب السودان، ومن جنوب أفريقيا وأستراليا بكميات كبيرة بسبب قيمته الحرارية العالية، ولذلك كان في السابق يستخدم أيضا في محطات توليد الطاقة الكهربائية وفي الصناعات الكبرى.
أولت هيئة سكك حديد السودان عناية خاصة لصيانة القاطرات البخارية بورش الصيانة بالخرطوم وعطبرة وبورتسودان، وكانت ورشة عطبرة مركزا مهما لصيانة محركات القاطرات البخارية والعجلات والأعمدة، وتنظيف وتشحيم الأجزاء المتحركة، وإصلاح الهياكل والعربات بينما تخصصت ورشة بورتسودان بصيانة القاطرات التي تعمل على الخطوط الساحلية، وكانت الورش تضم أجهزة حديثة وقتها لرفع وإنزال القاطرات، وآلات خراطة، وأجهزة تشكيل المعادن، ومعدات لحام وإصلاح.. وكانت الورش بمثابة قاعدة صناعية ضخمة كان يمكن ان تتطور لتصبح قاعدة كبرى لصناعة القاطرات مستقبلا
قاطرات الديزل:

تم إدخال قاطرات الديزل في السودان في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تحول سكك حديد السودان من القاطرات البخارية إلى قاطرات الديزل، وهي نوعان:
ــ قاطرات الديزل الكهربائية: تستخدم محرك ديزل لتوليد الكهرباء التي تشغل المولدات الكهربائية اللازمة لتحريك القاطرة.
ــ قاطرات الديزل الهيدروليكية: وتستخدم محرك ديزل لتشغيل مضخة هيدروليكية تدفع المحركات.
وتم إستيراد قاطرات الديزل من أمريكا، وألمانيا، واليابان، والصين، وجنوب افريقيا.. وتبلغ سرعة القاطرة في السودان (40 ــ 80) كلم/ساعة حسب نوع القاطرة وحالة الخطوط الحديدية، بينما تبلغ سرعة القاطرات البخارية (30 ــ 50) كلم / ساعة.
نواصل