الممرضون والممرضات.. (ملائكة رحمة) ام (ملائكة عذاب)؟ (1)
- مواطن: يا حليل التمريض إبتسامات الممرضات في وجوه المرضى تنسيهم المرض والآمه
- مرافق: لا يمكن إستغلال نقص كادر التمريض كغطاء للتهاون والتقصير
- ضعف أجور الممرضين والممرضات ليس مبررا لتعريض حياة المرضى للخطر
- لولا وجود المرافقين مع مرضاهم لأزهقت أرواحا كثيرة داخل بعض المستشفيات الحكومية
(الصور)
محمد العاقب.. شاهد عيان
مرافق يحمل الدرب بيده لمريضه.. الخلل في الكادر التمريضي ام في المنظومة الصحية؟
تحقيق ــ التاج عثمان:
كانت مهنة التمريض في السابق من أرفع المهن في السودان ينظر إليها بالكثير من التجلة والإحترام لدرجة أطلق على العاملين فيها من ممرضين وممرضات بـلقب (ملائكة الرحمة).. لكن للأسف خلال السنوات الماضية قبل الحرب ــ حتى لا نضع الحرب شماعة ــ تغير مفهومها كثيرا وأصبح ينظر إليها البعض بشئ من الإستخفاف والذي يصل لمرحلة الإزدراء والإستهجان خاصة بعض الممرضين والممرضات الذين يعملون ببعض المستشفيات الحكومية والذين وصفهم البعض بـ(ملائكة العذاب) وليس (ملائكة الرحمة) لتصرفات خاطئة كثيرة يرون أنها تبدر منهم.. فهل ذلك ينطبق عليهم فعلا؟.. وما هي الأسباب والعوامل التي تسببت في تدني مهنة التمريض في السودان والذي كان رائدا في هذا المجال على كل الدول العربية والأفريقية؟.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية المهمة من كافة جوانبها وأبعادها ونهدف في النهاية وضع الأسس لترقية هذه المهنة الإنسانية المهمة
يا حليل زمن التمريض:

قبل الخوض في عالم التمريض في السودان، أشير أن التحقيق يبحث عن مهنة التمريض خلال الفترة التي سبقت الحرب، حتى لا ينبري البعض ويعلق تدهور المهنة على شماعة الحرب، فمعروف ما لحق بالمنظومة الصحية جميعها، ومنها بالطبع كادر التمريض من ممرضين وممرضات وسسترات، من تدهور مريع أثناء وبعد الحرب، وهذا أمر يلم به الجميع وأصبح واضحا للعيان وواقعا ملموسا.. عدد من المرضى الذين كانوا منومين ببعض المستشفيات الحكومية سواء في العاصمة الخرطوم أو عواصم الولايات، سألناهم عن رأيهم في التمريض ومعاملة الممرضين والممرضات لهم، حيث إنبرى أحدهم، قائلا في سخرية وتهكم
يا حليل زمن التمريض، كان الممرضين والممرضات يقومون بواجبهم في رعاية المرضى داخل العنابر بمنتهى الإنضباط والرقي والإنسانية المفرطة والإبتسامة (غير المصطنعة) التي تعلو ثغورالممرضات والتي تنسيك مرضك واوجاعه، واللائي كن يعاملن المرضى المنومين بالمستشفيات الحكومية بإنسانية وحنو لدرجة تشعر معها أنك داخل منزلك وسط عائلتك وليس داخل مستشفى.. لكن لاحقا تغير حال الذين يعملون بالتمريض في بعض المستشفيات الحكومية كثيرا للأسوأ.. لدرجة أقترح معها سحب لقب (ملائكة الرحمة) من بعض كادر التمريض خاصة بالمستشفيات الحكومية.. فقد إنقلب وضع المهنة تماما رأسا على عقب.. الإبتسامات الحلوة التي كانت الممرضات يوزعنها على المرضى إختفت لتحل معها (تكشيرة الوجه).. بينما بعض الممرضين من الرجال، والذين أصبحوا قلة اليوم، تعلو وجوههم علامات العبوس والزهق.. وهذا كان يحدث قبل الحرب وبالطبع بعد الحرب تفاقم وضعهم كثيرا.. ربنا يصلح حال السودان في كل المناحي.
ملائكة العذاب:
مريض آخر قال: كنت من زبائن المستشفيات الدائمين بسبب ضغط الدم والسكري حيث كانت حالتي تستدعي حجزي بأحد مستشفيات العاصمة الحكومية الكبرى.. واجيب على سؤالك عن حال التمريض في السابق فأقول لك ان الممرضين والممرضات في السابق كانوا على قمة المسؤولية في أداء واجبهم الإنساني ويتفانون فيه، يعاملون المرضى بمنتهى الإخلاص والإنسانية، لكن بعضهم اليوم تحولوا إلى (ملائكة العذاب) وليس (ملائكة الرحمة).. يهملون كثيرا في العناية بالمرضى وإعطائهم الدواء في المواعيد المحددة التي قررها الطبيب، خاصة الدربات التي تكون مغروسة في وريد المريض حتى بعد أن ينفذ المحلول لأن الممرضة او الممرض يكونون خارج العنبر فيذهب مرافق المريض للبحث عنهم خارج العنبر وأحيانا خارج المشفى ليخبرهم بإنتهاء الدرب.
شاهد عيان:

من خلال هذه الجزئية يعكس لنا شاهد عيان بعض النماذج من التدني الذي حدث لمهنة التمريض، حيث كان يرافق إبنه المريض بواحدة من مستشفيات الولايات وهو مستشفى تعليمي وفي عاصمة تلك الولاية حتى الإسبوع الأخير من أكتوبر الجاري، وهو الصحفي (محمد العاقب)، سألته عن تجربته داخل تلك المستشفى مرافقا لإبنه المريض، وملاحظاته عما يقال من وجود تقصير وإهمال من كادر التمريض بالمستشفى ونقص في الممرضين والممرضات خاصة بعد الحرب، فقال:
لا يمكن قبول تبرير نقص الكادر التمريضي كغطاء للتهاون والتقصير الواضح في أداء الواجبات المهنية، فإذا كان هناك نقص فمسؤولية إدارة التمريض تكمن في إدارة المتاح بكفاءة عالية، ولكن الملاحظ هو ضعف الأداء وعدم الجدية لدى البعض.. إن تفويت جرعات المرضى لا سيما أصحاب الحالات الحرجة، هو خطأ مهني لا يُغتفر، وقد يكون سببًا مباشرًا في وفاة المريض أو فشل خطة العلاج بالكامل، فكيف يمكن أن يحدث هذا في مؤسسة طبية حكومية كبرى؟.
ولا أستنكر نقص كادر التمريض بقدر ما الوم تقصير الكادر الحالي في أداء واجباته.. فغياب الجدية والتهاون لدى بعض الممرضات يعني أن المريض، إذا لم يكن معه مرافق واعٍ ومتابع، يصبح عرضة لعدم إنتظام الجرعات وفقًا لتعليمات الطبيب وموجهاته، هذا الإعتماد على يقظة المرافق بدلاً من يقظة الكادر الطبي، هو إعلان صريح بفشل منظومة الرعاية في تلك المستشفى ، وعلى ذلك قس بقية المستشفيات طالما أن هذا الوضع في مستشفى عاصمة ولاية
ضعف الخبرة:
ويضيف: من أكثر الجوانب إثارة للقلق هو ضعف الخبرة لدى عدد من الممرضات الموزعات على عنابر الأطفال، فرعاية الصغار تتطلب مهارات خاصة وحذرًا مضاعفًا ودقة متناهية في الجرعات والملاحظة.. يجب أن يُختار لكادر عنابر الأطفال ممرضون وممرضات بعناية فائقة وكفاءة مثبتة، فخطأ بسيط هنا قد تكون عواقبه وخيمة ومميتة، فصحة أطفالنا ليست حقل تجارب للكفاءات الضعيفة
ومن ملاحظاتي أثناء مرافقتي لإبني بقسم الأطفال بتلك المستشفى، سوء توزيع الكادر التمريضي على ورديات الصباح والمساء، حيث لاحظت تكدساً في وقت وقلة في وقت آخر، يعكس سوء إدارة واضحاً.. هنا يجب أن نوجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى المسؤول من كادر التمريض بتلك المستشفى الذي يتولى مهمة المراقبة والتوزيع، ونطالب بإقالته فوراً لعدم مراقبته للأداء ولسوء التوزيع الذي أدى إلى هذا التدهور.. ولا نغفل أن ضعف الأجر المدفوع لكادر التمريض هو عامل ضغط يُضعف من حافزهم، ولكن ضعف الأجر يجب ألا يكون مبررًا لتعريض حياة المرضى للخطر.. وعلى وزارة الصحة أن تولي اهتمامًا لرفع مستوى الأجور وتحسين بيئة العمل جنبًا إلى جنب مع فرض الانضباط والمساءلة.. يضاف إلى كل ما سبق ذكره، سلوك بعض الممرضات في التعامل بفظاظة مع المرافقين الذين يُجبرون على متابعة الجرعات نتيجة لتقصير الكادر.. يجب أن يُنظر إلى المرافق (الواعي) كشريك في العلاج لا كعبء، بل يجب احترام جهودهم التي تُسد ثغرات التقصير.
تفويت الجرعات:
ويضيف: إن التدهور بهذه المستشفى هو ضربة لسمعة وزارة الصحة بأكملها، لذا نوصي بالمحاسبة والإقالة الفورية، إذ ندعو وزارة الصحة إلى إقالة المسؤول المباشر من كادر التمريض عن الإشراف والتوزيع، وإجراء تحقيق فوري وشامل في حالات تفويت الجرعات ومحاسبة المقصرين، وبدلًا من تشتيت الجهود على مراكز صغيرة يجب الاهتمام أولاً بالمستشفيات الرئيسية ، وتوفير كل إحتياجاته المادية والبشرية.. كما يجب المراجعة الفورية والدقيقة لخطة توزيع الكادرعلى الوردياّت والأقسام لضمان عدالة التوزيع وتغطية جميع الأوقات بكفاءات مناسبة.. ووضع برامج تدريب إلزامي ومكثف لرفع كفاءة التمريض الحالي، خاصة في أقسام الأطفال، على أن يتم اختيار الممرضين العاملين في أقسام الأطفال بناءً على الكفاءة والخبرة فقط.. وضرورة تفعيل لجان المراقبة الدورية والمفاجئة لتقييم الأداء التمريضي، وربط الأداء الجيد بالحوافز والأداء السيئ بالمساءلة الصارمة حفاظاً على صحة المرضى وسمعة المستشفى ووزارة الصحة.. وليعلم المسؤولين إن حياة المواطنين ليست (لعبة)، ويجب أن تكون الخدمات الصحية على رأس أولويات الحكومة، فالانتظار أكثر في معالجة قضية الممرضين والممرضات هو جريمة في حق المرضى.