
وليس الخبر كالعيان
مهدي إبراهيم أحمد
*كنا دائما نصطف خلف الامام مع كل صلاة وهو يدعو (قانتا) ان يجنب الناس الغلاء والوباء والكروب والحروب وجل النوازل ، كنا نتفكر في كل ذلك علي انها بعيدة من واقعنا لا نحسيها تبلغنا او تقارب ديارنا، فقد كنا حينها في دعة من الامان وخفض العيش، كنا نري ذلك في ما حولنا ..ولا نحرك ساكنا الا من بعض تأمين مع الامام، ولم نكن ندري ساعتها ان الاقدار تنسج لنا كل تلك النوازل لنعايشها عيانا فليس الخبر كالعيان ،.. كان الامام حينها يقرأ من كتاب الغيب فلا يراها الا قريبة، وكنا نقرأ من كتاب الواقع ساعتها فلا يزيدنا الا آملا وسرابا ولا نكاد نراها الا بعيدة.
*عايشنا الوباء ، رأينا كيف تقصر جهود السلطات عن توقيه ، وتحوط الناس عن تلافيه ، حتي اضحي مشاعا يجوب العالم جميعه من اقصاه الي ادناه ، اغلقت المطارات والموانئ والمنافذ والحدود، واستعصمت عن الناس المدن، قيدت حركة الناس، واختفت التجمعات ، واغلقت المساجد حينها، واحتجبت الكعبة ببهائها عن الناس، واوشك الحج ان يغيب في عام الوباء، واختفت معالم الاشياء، ولزم الناس دورهم مرغمين، فلا تداخل ولا معاودة ، سقط تحت سنابك الوباء الكثير، وامتلأت مراكز العزل ، فلا علاج ناجع، ولا ترياق ناقع الا ان يتدارك الله الناس برحمته ..مضت حياة الناس في ذلك الحين ثقيلة شاحبة ، كئبية وسقيمة وكأنها تعاني من ما يعاني منه الناس تخلو من مظاهر الحياة واقبال الناس عليها ، فقد احال الوباء كل تلك المظاهر الي التلاشي الا من اخبار فقد الاحبة وتساقط الثمرات.
*ثم انحسر الوباء اللعين، وخففت القيود، ورويدا رويدا عاد الناس الي حياتهم الطبيعية، فليس الامس كما اليوم يقينا، ثم لم نلبث غير بعيد الا واقتحمت حياتنا مفردة الحرب اللعينة ، التي احالت النضارة إلى الذبول ، ومظاهر الحياة الي الخفوت، واجبرت الناس علي النزوح الطويل، والتشتت في الامصار والاصفاع البعيدة، حرب احالت الذكريات إلى التلاشئ، واحالت نهارهم الصريح الي ليل دامس ، لايدرون له صباحا مع الايام الا تقف تلك الحرب اللعينة ويعود الامان المفقود ويؤؤب الناس الي دورهم وتعود الصورة الزاهية للبلاد ونضارتها.
*حرب لم نكن نتخيلها ان تنشأ في واقعنا ، فلم يكن في ادني كوابيس الناس ان يصيروا اليها ، فيروا كل مظاهرها عيانا ، ويقفوا على مآسيها وفظائعها التي تجدد مع الايام، كان وقعها على كل الناس كبيرا، يكفي انهم شاهدوا تجربتها واطلعوا على مرارتها، وعايشوا واقعها في النزوح القسري، وفي فقدان الاحبة وضياع المال والممتلكات، وفي قضائها على الاخضر واليابس والحرث والنسل ، كل تلك المآسي خلفتها الحرب اللعينة التي جعلت من بلانا نهبا لها ، وهي ترسم وضعا قاتما في الحال والمآل.
*أدركنا ونحن نسترجع دعاء ذلك الامام في ذلك الحين القريب البعيد، ان الدنيا ليس كما كنا نتصورها نحن وهي تمضي على الوتيرة الواحدة بل ادركنا مع الايام ان تلك السنن ماضية على امتداد الحقب والامم والأجيال ، فكتب التاريخ تروي انه لم تمضي امة من الامم على حال واحدة فقد توزعت حياتهم بين كل تلك الجوائح ، فلم تسلم العصور ولا الازمنة من تلك الابتلاءات، فلا عيش يدوم ولا سرور ، نعم ندرك في قرارة انفسنا انها دار تدافع وان للسياسة كفل كبير فيما يجري ، وان العدوان على بلادنا ناتج من سباق المصالح والتوسع والمطامع، وان تلك الحرب نتاج تقصير من السلطة وقصر في النظر في التعامل مع مجرياتها ، لكن كل ذلك لا ينفي وقوعها عليى قدر، وان الابتلاء لابد ان يكون ولو كان التحوط غالبا، فنحن نعيش تجربة الابتلاء علي امل ان يرفع بالتوبة الصادقة التي تعيد رسم العلاقة بين الناس وخالقهم بما يتقون متالف ما يحدث لهم في الحاضر والمستقبل.