آخر الأخبار

السودان ولعبة الشطرنج الخفية.. من يرسم الصورة الحقيقية للدولة؟

عمرو خان

*في لحظة تاريخية فارقة يعيشها السودان، تبدو ملامح الدولة وكأنها لوحة غير مكتملة، تتداخل فيها الألوان دون أن تستقر على شكل نهائي واضح.. محاولات السيطرة على مفاصل الحكم لم تعد مجرد صراع تقليدي بين المدنيين والعسكريين، بل تحولت إلى حالة أكثر تعقيدًا، حيث تتشابك المصالح وتتشظى الهويات السياسية والإدارية إلى حد يصعب معه تعريف طبيعة السلطة نفسها: هل هي حكومة تكنوقراط؟ أم واجهة مدنية؟ أم امتداد عسكري بوجه جديد؟ أم مزيج غير متجانس من كل ذلك؟

في قلب هذا المشهد، يسعى صناع القرار إلى تحقيق معادلة تبدو مستحيلة: جمع أطراف متناقضة تحت مظلة واحدة.. هذه الرغبة في (لم الشمل) تبدو في ظاهرها خطوة نحو الاستقرار، لكنها في جوهرها قد تكون أحد أسباب تعميق الأزمة. فالتمثيل داخل المؤسسات، سواء على المستوى الوزاري أو الاستشاري، لم يعد قائمًا على الكفاءة أو الرؤية الوطنية بقدر ما أصبح انعكاسًا لتوازنات دقيقة وضغوط مرحلية، تُفرض أحيانًا من الداخل وأحيانًا من الخارج.

*وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ(الفراغ التعريفي) للسلطة.. إذ لم يعد بالإمكان تصنيف الحكومة أو المجلس الانتقالي ضمن أطر تقليدية.. فلا هي حكومة تكنوقراط خالصة تعتمد على الخبرات، ولا هي حكومة مدنية ذات مشروع سياسي واضح، ولا هي سلطة عسكرية مباشرة، بل كيان هجين تتداخل فيه المصالح والولاءات، وتغيب عنه الرؤية الجامعة.. هذا الغموض لا يقتصر على الشكل، بل يمتد إلى المضمون، حيث تتباين القرارات وتفتقد أحيانًا للاتساق والاستمرارية.

*الأمر لا يتوقف عند مؤسسات الحكم فقط، بل يمتد إلى الفضاء المدني والمهني.. الاتحادات والنقابات، التي كان يُفترض أن تلعب دورًا رقابيًا أو داعمًا لمسار التحول، أصبحت في كثير من الأحيان طرفًا في لعبة معقدة أشبه بالشطرنج السياسي.. كل خطوة تقوم بها السلطة تقابلها حركة مضادة من هذه الكيانات، ليس بالضرورة بدافع المصلحة العامة، بل أحيانًا بدوافع تتعلق بالحفاظ على النفوذ أو تحقيق مكاسب محددة.

*في هذا السياق، تتحول القرارات الحكومية، سواء كانت تعيينات أو إعفاءات، إلى شرارات لصراعات جديدة.. فبدلًا من أن تكون هذه القرارات جزءًا من عملية إصلاح مؤسسي، تصبح نقاط اشتباك بين مراكز قوى متعددة.. وهنا تتجلى أزمة أعمق: غياب الثقة بين الأطراف المختلفة، وافتقار النظام السياسي إلى آليات واضحة لإدارة الخلافات.

*ما يزيد من تعقيد المشهد هو أن هذه الصراعات تجري في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، حيث الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية تتصاعد بشكل غير مسبوق. في مثل هذه الأوضاع، يصبح الغموض في بنية السلطة عاملًا مضاعفًا للأزمة، لأنه يعيق اتخاذ قرارات حاسمة، ويضعف قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات.

*السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط عن طبيعة هذه السلطة، بل عن مستقبل الدولة نفسها: هل يمكن بناء دولة مستقرة في ظل هذا التشظي؟ وهل يمكن تحقيق تحول حقيقي دون وضوح في الرؤية والهوية؟

الإجابة، على الأرجح، تبدأ من ضرورة إعادة تعريف مفهوم السلطة في السودان.. فبدلًا من محاولة إرضاء جميع الأطراف عبر صيغ هلامية، قد يكون من الأجدى تبني نموذج واضح المعالم، يقوم على أسس محددة: شفافية في التعيينات، معايير موضوعية للكفاءة، وفصل حقيقي بين المصالح السياسية والإدارية.. كما أن إشراك القوى المدنية والمهنية يجب أن يتم ضمن إطار مؤسسي واضح، يحدد أدوارها ويمنع تحولها إلى أدوات ضغط تعرقل العمل الحكومي.

*كذلك، لا بد من الاعتراف بأن (إدارة التوازنات) لا يمكن أن تكون استراتيجية دائمة.. فهي قد تنجح مرحليًا في تجنب الانفجار، لكنها على المدى الطويل تؤدي إلى ترسيخ حالة من الجمود، حيث لا غالب ولا مغلوب، ولا تقدم حقيقي.. الدولة تحتاج إلى قرارات جريئة، حتى وإن كانت مكلفة سياسيًا، لأنها وحدها القادرة على كسر هذه الحلقة المفرغة.

*في النهاية، تبقى الصورة التي يبحث عنها السودانيون – صورة دولة واضحة الملامح، متماسكة البنية، وعادلة في توزيع السلطة – مرهونة بقدرة النخب السياسية على تجاوز حساباتها الضيقة.. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من (الرتوش)، بل إلى لوحة مكتملة، تُرسم بخطوط واضحة وألوان صادقة، تعكس حقيقة الدولة لا وهمها.

*وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال معلقًا: هل تملك القوى الفاعلة الشجاعة لرسم هذه الصورة، أم ستبقى البلاد أسيرة لوحة ضبابية، تتغير تفاصيلها مع كل حركة على رقعة الشطرنج؟.

*كاتب صحفي مصري