آخر الأخبار

الحاج عبدالله أحمد الصديق… عامٌ على الرحيل وسيرةُ الخير التي لا تغيب

خالى سكر

ايناس الشيخ سعيد

 

*هناك رجالٌ لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثرٍ طيب في حياة الناس، وبما غرسوه من قيمٍ نبيلة وأعمالٍ عظيمة تظل شاهدة عليهم حتى بعد رحيلهم. ومن هؤلاء الأفذاذ الذين خطّوا أسماءهم في سجل العطاء بحروفٍ من نور، يأتي اسم رجل البر والإحسان، الحاج عبدالله أحمد الصديق، الذي تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى لرحيله، بعد عمرٍ مديد قضاه في خدمة الناس، وجعل من حياته مشروعاً دائماً للخير والبذل والإحسان.

*لقد كان الفقيد الراحل نموذجاً استثنائياً للرجل الذي فهم معنى المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، فأفنى سنوات عمره في خدمة أهله ومجتمعه، وسخّر إمكاناته وجهده في كل ما يعود بالنفع على الناس، حتى أصبح اسمه مرتبطاً في وجدان أهل الدندر وعموم أهل ولاية سنار بالعطاء الصادق والعمل المخلص والمواقف المشهودة التي لا ينكرها إلا جاحد.

*وتقف اليوم شاهدةً على مسيرته المباركة أعمالٌ عظيمة ومشروعاتٌ خالدة، فالمدارس التي شُيّدت بمساهماته ما زالت مناراتٍ للعلم والمعرفة تخرج أجيالاً تحمل مشاعل المستقبل، كما أن مركز غسيل الكلى بمدينة الدندر الذي قام بإنشائه وتأسيسه بنفسه يظل واحداً من أعظم بصماته الإنسانية الخالدة، بعد أن أصبح صرحاً طبياً مهماً خفف معاناة المرضى ووفّر العلاج والرعاية للكثيرين، ليبقى هذا الإنجاز شاهداً حياً على رجلٍ جعل خدمة الإنسان رسالةً ومسؤوليةً في حياته.

*ولم يكن عطاؤه محصوراً في مجالات التعليم والصحة فحسب، بل عرف بمواقفه الوطنية المشرفة، حيث ظل داعماً وسنداً للقوات المسلحة في ولاية سنار، انطلاقاً من إيمانه العميق بأهمية الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، وكان حاضراً في كل القضايا الوطنية والمجتمعية الكبرى، مؤمناً بأن خدمة الوطن واجبٌ لا يحتمل التردد.

*أما في جانب التكافل الاجتماعي، فقد كان الفقيد مثالاً نادراً للإنسان الذي يرى في مساعدة الآخرين مسؤوليةً شخصية، فظل قريباً من الأسر الفقيرة والمتعففة، يمد لها يد العون في صمت، ويقف على احتياجات الناس بنفسه، واضعاً نصب عينيه أن خير الناس أنفعهم للناس.

*وامتدت أياديه البيضاء لدعم الخلاوي والمسايد وحفظة القرآن الكريم، إيماناً منه برسالة الدين والعلم الشرعي، ودور هذه المؤسسات في بناء المجتمع وترسيخ قيمه الأصيلة، فكان من أهل الفضل الذين ارتبطت أسماؤهم بخدمة القرآن وأهله.

*وحين اشتدت المحن على أهل ولاية سنار واضطرت الظروف كثيراً من الأسر للنزوح إلى القضارف وكسلا والبحر الأحمر، كان الراحل من أوائل من تحركوا لنجدة المتضررين، مقدماً الدعم والمساندة للنازحين، ومؤكداً بسلوكه العملي أن الإنسانية الصادقة لا تعرف حدوداً، حتى امتد عطاؤه المعروف إلى خارج السودان، ليصبح اسمه عنواناً للخير أينما ذُكر.

*وإذا كانت عظمة الإنسان تُقاس بما يتركه خلفه من أثر، فإن من جميل ما أكرم الله به الفقيد الراحل أنه ترك بين الناس ذريةً مباركة تسير على ذات النهج الذي عاش من أجله، نهج الكرم، والإحسان، وخدمة المجتمع، والوفاء للناس، فكانوا خير امتداد لسيرة والدهم العطرة، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً.. نسأل الله أن يبارك فيهم، وأن يوفقهم ويسدد خطاهم ليواصلوا حمل هذه الرسالة النبيلة التي غرس بذرتها والدهم الراحل في حياته.

*لقد غاب الحاج عبدالله أحمد الصديق عن دنيانا، لكن الرجال من هذا الطراز لا يرحلون حقاً، لأن آثارهم تبقى نابضة في وجدان الناس، حاضرة في كل مشروع خير، وفي كل دعوة صادقة تخرج من قلب من عرف فضله وأياديه البيضاء.

*وفي الذكرى الأولى لرحيله، نقف إجلالاً لرجلٍ عاش كبيراً ورحل كبيراً، تاركاً وراءه إرثاً من العمل الإنساني والاجتماعي والخيري سيظل صفحة مضيئة في تاريخ المنطقة، وسيرةً يرددها الناس جيلاً بعد جيل.

*رحم الله الحاج عبدالله أحمد الصديق رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل كل ما قدمه من خيرٍ وإحسان في ميزان حسناته، وجزاه عن أهله ووطنه ومجتمعه خير الجزاء.

التهامي بشير الشريف محمود