
هل إنتهى عصر الصحافة الورقية؟
بعد..و ..مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*ماذا يعني صدور صحيفة جديدة في أي مجتمع, من المؤكّد أنه يعني محاولة جديدة للتعبير أو التغيير، مثلما يعني أنه إضافة رئة جديدة يتنفس بها المجتمع ، ويعني وجود ناصح (متطوّع) للحكومة وللمواطن على حد السواء ، لأن الصحافة في أعظم وأفخم تعريفاتها هي التعبير عن حركة المجتمع سواء كانت تلك الحركة سالبة أم كانت في الإتجاه الصحيح .. طبعاً هذا غير تعريفات أخرى ، من بينها أن الصحافة رائدة للتغيير وقائدة له في مجتمعاتها ، بما تطرحه من آراء تحاكم بها الواقع الراهن ، وغير ذلك من تعريفات.
*إستقبلت الخرطوم خلال العقود الماضية ، عشرات الصحف بمختلف تخصصاتها ، وهي تجربة تستحق أن نشيد بها رغم تراجع هذه الصّحف أو توقفها ، وذلك لسببين رئيسيين الأول هو حالة الإحباط التي يحاول البعض بثها أمام كل صاحب رغبة في خوض تجربة إصدار الصحف ، ثم تخويف الفرد أو المجموعة من أن التجربة ستكون مريرة وقاسية في ظل تراجع عام لقراءة الصحف الورقية.
*أما السبب الثاني للإشادة فهي روح التحدّي لدى أصحاب الفكرة في الصدور ، وهم يرون أن بلادنا في حاجة حقيقية لصدور صحف جديدة ليس بالضرورة أن تكون نسخاً مكررة من التجارب السابقة ، صحف تعبر عن آراء ناشريها وهم يحملون شعار التجديد مع التجويد ، ولعمري إنها تجربة تستحق الإهتمام والمتابعة والدراسة ، لإستخلاص نتائج آنية أو مستقبلية عن تلك التجارب.
*طبعاً هناك سبب آخر ومهم ، وهو تشغيل عدد كبير من الصحفيّين المحترفين الذين تستقبل السّاحة الصحفيّة كل عام المئات منهم ، من خريجي كليات الإعلام أو الكليات الأخرى ممن يجتاوزون إمتحان نيل السجل الصحفي ، وقد سبق لنا ولغيرنا أن كتبنا عدة مرات عن عدم التناسب بين أعداد الخريجين وسوق العمل ، حيث لم تعد هناك جامعة لا تضم من بين كلياتها كلية للإعلام أو الصحافة.
*موقف الحكومات واضح حول تعدّد الصحف ، بعضها أراد الدمج وتكوين شركات مساهمة عامة ، مثلما أرادت حكومة الإنقاذ السابقة ، وبعضها يريدها صحافة تنشغل بكل شيئ ، عدا الشأن السياسي ، والناشرون وأهل الصحافة لا يريدون ذلك ، بل يعتقد الكثير منهم أن الحكومات لا تريد صحافة حرة بمعنى الكلمة ، بل تريد صحافة تأتمر بأمرها لا تخالف ولا تخرج عن الخط المرسوم لها.
*كل ما سبق يمكن أن يتم التداول حوله ويمكن أن تتم مناقشته من خلال ورش العمل حول سياسات الدولة والقوانين المنظمة للمهنة ، ونحن نرتب لذلك في المركز العربي الإفريقي للبحوث والخدمات الصحفية ، خلال الأسابيع القليلة المقبلة إن شاء الله تعالى ، لكن أن يتمسك البعض أو ينادي بأن الصحافة الورقية إلى تراجع فذلك نصف حقيقي لأن الكثير من دول العالم الثالث– وبلادنا من بينها– ما زالت في حاجة إلى الصحافة الورقية ، ولو إلى حين ، وهذا الحين يختلف من دولة إلى أخرى .. لكن الذي يستوقف حقاً ويصبح حجّة أمام القائلين إن الصحافة الورقية إلى زوال ، هو أن كثيراً من الدول المتقدمة ما زالت الصحافة الورقية تمثل جزءاً مهماً من منظومتها الإعلامية ، وربما كان التغيير الملحوظ هو إقتران الصحف الورقية التقليدية الذائعة الصيت في الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من دول أوروبا إقترانها بالنسخة الإلكترونية التي تشكل هي نفسها صحيفة حقيقية ، ولكن في قالب عصري ، ترتبط بكل أنواع الوسائط وتقدّم الأخبار والتعليقات والتحقيقات بصورة متجددة ، بل إن بعضها إتجه إلى تقديم خدمة البث المباشر للقاءات والمؤتمرات المصيرية والكبرى.
*أما الذي يطمئن الناشرين ، أو ناشري تلك التي صدرت أو التي ستصدر مستقبلاً خلال العشر سنوات القادمة ، فهو صدور صحيفة بريطانية جديدة للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً حتى بعد أن إتخذت صحيفة (الإندبندت) قراراً بوأد نسختها الورقية للأبد.
*لقد صدرت في (لندن) صحيفة جديدة قبل فترة تحمل اسم (اليوم الجديد) – New Day – منذ نحو أربعة أعوام تقريبا عن مجموعة (ترينتي ميرور) التي تصدر عنها صحيفة (مرآة اليوم) أو (ذي ديلي ميرور) الشعبية والأعلى توزيعاً في المملكة المتحدة ، التي إن لم تكن ترى خيراً في إصدار صحيفة ورقية جديدة لما فعلت ذلك وما قامت به.
*الصحيفة الجديدة صدرت في (40) صفحة وتوزع من خلال (40) ألف نقطة توزيع وتباع بنصف جنيه إستراليني ، وقد أشارت الصحيفة منذ أول يوم من أيام صدورها إلى أنها ستكون مستقلة تماماً عن شقيقتها الكبرى الـ(ديلي ميرور) ، وأنها ستغطّي الأحداث المهمة ، بمهنيّة وحياديّة وتوازن ، ولا تسعى إلى فرض رأي بعينه على قارئها ، أي أنها ستعمل وفق المبدأ الأشهر في دنيا الصحافة (الخبر مقدس والرأي حر)، وهي مقولة مشهورة للملك محمد الخامس والد الملك (الحسن الثاني) وجد الملك المغربي الحالي الملك (محمد السادس)
*أما أطرف ما في أمر صدور هذه الصحيفة البريطانية الجديدة ، فهو ما قالت به رئيس تحريرها (أليسون فيليبس) التي عزت تراجع مبيعات الصحف إلى أن تلك الصحف لم تعد تستهوي القراء ، ولا تلبي تطلعاتهم ، لذلك
هم الآن في حاجة إلى صحافة جديدة