آخر الأخبار

السر السيد يكتب: أحمد رضا دهيب.. أو فى مقام الإنصاف

 

 

برحيل الفنان أحمد رضا دهيب مغرب يوم ٢٢ مايو ٢٠٢٥م، ستسكن ذاكرة المسرح السوداني والمسرحيين السودانيين صفحات من الإلفة والمودة والحيوية والمشاكسة الرحيمة.

جمع دهيب كل ذلك..اليفا وودودا وحيويا ومشاكسا عن محبة.

لا يغيب عني يوم في السودان أو في كمبالا الا وهاتفت دهيب أو هاتفني.

لا أدري كيف يكون بيت المسرحيين بعدك وكيف ستكون السجالات فى العمل النقابي المسرحي؟.

أحزنني رحيلك يا صديقي وغرقت في غيهب الفاجعة.

رحمة من الله تغشاك.

انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله.

مقال مستعاد:

*أحمد رضا دهيب

أو فى مقام الانصاف*

السرالسيد

ستجد الكتابة عن المؤلف المسرحى ومؤلف الدراما التلفزيونية والإذاعية والممثل والمخرج دهيب،نفسها أمام تجربة برغم غناها وتنوعها واستمراريتها منذ النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى، الا أنها لم تجد الإهتمام الذى يليق بها من النقاد والباحثين، وقد يكون من بعض أسباب هذا الاهمال ولا أقول النسيان شخصية دهيب نفسه، كشخصية ظلت وفى الغالب مثيرة للجدل وقد يعود هذا للمسار المختلف الذى اختاره فى معظم ما اتخذه من مواقف وفى ما انتجه من فن، ففى المواقف التى تنشأ من أسئلة مجتمع المسرحين نقابيا وسياسيا نجده لا يسبح مع التيار السائد، ونفس الشئ أو قريبا منه نلمسه فى الكيفية التى يتعاطى بها فى ما ينتجه من فن.

أحمد رضا دهيب

معطلة هذا المسار المختلف فى أن مسرحيين كثر وبعضهم من المؤثرين يرونه تصادميا أكثر من أنه حواري مع اعترافهم بأهمية ما نتج عن هذا المسار و ما قدمه دهيب فنيا وفى الشأن العام، كفاعل نقابى مؤثر ترأس الاتحاد لأكثر من دورة وكانت له انجازات مشهودة، وقدم أعمالا فنية جديرة بالقراءة النقدية، ومن هذا المسار والنظرة اليه تشكلت (صورة دهيب) بأعتباره شخصا تصادميا.. مثيرا للجدل..تلك الصورة التى

وضعته فى ركن قصى حجبت القراءة النقدية الموضوعية لمواقفه ولفنه، بل وخلّفت حذرا منه طال حتى النقاد والباحثين.

ولكن من هو دهيب:

لن استرسل كثيرا فى سيرته، فيكفى فى مقام الانصاف هذا، لا مقام النقد أو التوثيق أن أقدم بعض الإشارات حول هذه التجربة الطويلة المتنوعة.

تقول سيرته الفنية: أنه ولج الى عالم المسرح فى العام 1979م فى مركز شباب بحرى بولاية الخرطوم، وبعدها شارك فى مسرحية (التلغراف) التى عرضت فى المسرح القومي فى العام 1982م، ضمن فرقة الصياد التى أسسها الرائد المسرحى الأستاذ محمد خير الصياد، وشارك كذلك ممثلا مع الرائد المسرحى الكبير الأستاذ الفاضل سعيد فى مسرحية (نحنا كدا).

بين التجول فى دهاليز رواد المسرح الذين نال صحبة الكثيرين منهم والنهل من تجاربهم ثم المشي أكثر فى عشق المسرح ليكون واحدا من الطلاب المميزين بقسم المسرح فى الدراسات الإضافية التابعة للمعهد العالى للموسيقى والمسرح آنذاك.

هذا التقلب الحميم..القلق بين بعض الروافد التى تشكلت منها الحركة المسرحية الحديثة فى السودان، إضافة الى حضوره الفاعل، هو ما انتج عددا من الفرق المسرحية التى أسسها منذ مطلع الثمانينيات كفرقة (النهضة) التى خرّجت مسرحيين يشار لهم الآن بالبنان كالممثل حسن يوسف الشهير بسيد جرسة والمؤلف خليفة حسن بلة وآخرين، ثم أخيرا فرقة (هزار) وغيرها، كما انتجت الكثير من الأعمال المسرحية والتلفزيونية، تأليفا وتمثيلا واخراجا وانتاجا، كمسرحيات: ( القرار)، (ولدة خاسرة)، (واحد +واحد=ستة)، (ميت بمزاج) (وتكسر الزجاج)، (عبدالفضيل يعلن غضبه)، (القط الابيض)، (دارفور سيرا على الحبل)، وكمسلسلات: (وضاعت الشواطئ)، (عبدالقادر ودحبوبة)، (زينب نبع لا ينضب)..إضافة الى عشرات الأفلام.

على سبيل الخاتمة:

ثمة ما تجب الاشارة إليه فى هذه التجربة، وأولى هذه الإشارات هو استمراريتها وغزارتها، وثانيها أن الملمح الأساس فيها هى أنها كلها من تأليفه واخراجه وانتاجه وأنه مشارك بالتمثيل فيها وأنها جميعا عرضت وشاهدها الجمهور، وثالثها أنها كشفت على الأقل بالنسبة لى عن القدرات الكبيرة للفنان دهيب، تحديدا فى التمثيل والتأليف، ففى التمثيل يتوفر على طاقة (روحية) عالية تتبدى فى معظم الأدوار التى قام بها فى التلفزيون، ويكفى أن نشير هنا الى دوره فى فيلم (الإعدام)، وفى الأدوار التى قام بها فى المسرح يكفى أن نشير الى أدائه البليغ فى مسرحية (عبدالفضيل يعلن غضبه).

أما فى التأليف فسنقف على حضور خفى للقراءة خاصة فى حقل المسرح والدراما وعلى الانطلاق من رؤية ما للحياة وللمسرح، اذ لا يمكن أن تكون مصادفة أن يستدعي عبد الفضيل ألماظ ويضعه فى جحيم التساؤل أو أن يستدعي عبدالقادر ود حبوبة أو أن يقارب قضايا الشباب كما فى مسلسل (وضاعت الشواطئ).

أنه يستحق الانصاف فى ما قدم من فن وفى حضوره فى الشأن العام الذى يخص مجتمع المسرحيين، وأن تجربته تستحق وجديرة بالقراءة النقدية.

 

*/نشر بصحيفة الاحداث بتاريخ الاحد 14 يوليو 2024.