قهوة بمذاق آخر (الحلقة الرابعة)
في حلقات أسبوعية كل سبت (تفاصيل) تواصل نشر رواية (قهوة بمذاق آخر) ..
تأليف: عمر أحمد المصطفى حياتي.
الناشر: دار آريثيريا للنشر والتوزيع – الخرطوم – السودان..
(٤)
تبسم الضابط المحقق وكاد أن يقول لعم حسن “أبشر” تعظيما للمعاني التي أوردها فيما أنشد. وقاده تصوره العام لشخصية عم حسن أنه رجل على نياته ويمثل نموذجا لسوداني بسيط، بعكس خبث ود محمود وتحفظ سليمان وافتراء التاج، فشكره وهنأه على روحه العملية، ورأى أن يستدرجه في تحقيق آخر للحصول على تفصيل أدق عن العلاقات الاجتماعية بين موظفي الشركه، عله يجد طرف خيط يقوده لكيفية تسرب الشيك.
أعيد استجواب ود محمود المدير الإداري لشركة التاج إثر إفادات عم حسن عنه، ووضع الشكوك حوله، بإفادات مباشرة وغير مباشرة حول نزاهته، كرر ود محمود نفس افاداته السابقة دون أن يضيف لها حرفا أو ينقص منها حرفا، والأمر الذي أدهش الضابط المحقق وجعله في حيرة من أمره، وتعجب من قدرة الرجل وإدراكه لما يؤول إليه السؤال فيجيب عن ثلاثة أسئلة لم تسأل بعد، برد على سؤال واحد. استنفذ الضابط المحقق كل أدواته وتقنياته للوصول إلى دليل أو قرينة أو أثر ما يربط ود محمود بخزينة الشركة، ولكنه لم يصل معه لقرينة أبدا. فحاول استفزازه عله يغير طريقته في الرد وفاجأه بقوله “قالوا ود محمود ينحني أمام كل فتاة جميلة”، لم يحرك الرجل ساكنا، ولم يتدفق الغضب من عينيه، وأجابه في هدوء وابتسام “الجمال نعمة يا جنابو، وإن الله جميل يحب الجمال”. توقف الضابط المحقق عن الأسئلة وأطال النظر محتارا في معدن وطينة هذا الرجل. استغل ود ومحمود صمت الضابط المحقق فاعتذر له متعللا بأن وقت صلاة الظهر قد أزف ودعاه للصلاة في جماعة كسبا للأجر.
أقسمت نوال برب العرش أنها ما رجعت الشركة يوم الأربعاء المعني، مبينة على ذلك بأن عبد الباسط، والذي كان مدعوا معهم للغداء في الفندق، وهو من أوصلها إلى بيت أهلها في حلة حمد، وحلفت وأغلظت اليمين أنها ما دخلت مكتب سليمان إلا لصرف مرتب أو حوافز. ودللت على ذلك بقول سليمان كم مرة لها “إنت ما بتجي مكتبي ده إلا كان عندك قروش عندنا، سلام الله ده ما بجيبك لينا”.
تذكرت نوال بمرارة كيف أنها تلف طرحتها بإحكام على شعرها وجيدها ونحرها لتتفادى نظراته المريبة لصدرها الناهد قبل التوجه لمكتب سليمان لصرف حافز لها-وقلّ أن يجود التاج به- ووقوفها الطويل أمام باب مكتبه كأنها تستجدى بخيلا، ومقابلته السمجة، ومحاولة التلطف معها بعبارات سئمت سماعها, كقوله لها “السماك نوال ده زول ما عِندو فهم، حتى لو عاجبو حرف النون ده ما كان يسميك ناهد، عليك الله عيبي لي الاسم ده؟، اسم جميل مش كده؟” ويعاود إطالة النظر لصدرها بعين لا تستحي أبدا.
ذهب الضابط المحقق إلى فرضية أبعد بكثير من تفكير نوال، ومن إدراكها أيضا. بكت بصوت عال أزعج الضباط المحققين في غرف أخرى عند سماعها التهمة المباشرة، المبنية على فرضية أن الأصول كلها لم توضع في الظروف التي كان من المفترض أن تسلم لطرفي المبايعة، إنما احتوت كل الظروف على صور فقط. لم تتوقع نوال أبدا فكرة كهذه، واتهامها اتهاما مباشرا هدأت قليلا وتماسكت بعض الشيء، وكررت اليمين عدة مرات أنها ” والله والله والله الذي لا إله إلا هو عملت بوصية التاج، ونفذتها كما ينبغي، وسلمت كل زول ظرفه، وسلمت ظرف الأصول لسليمان”، ثم تنهدت ومسحت دموعا انهمرت على خديها وقالت ويداها ترتجفان:
والله يا جنابو أبوي بالمعاش، عيان عندو سكري وعندو غضروف، راقد في السرير، ونظرو ضعيف، أنا بربي في أخواني الصغار، أنا عشان ما أتذل لي زول كنت بعوس مع أمي الكسرة وبنبيعها. خنقتها العبرة، وسكتت قليلا، وجففت دموعها المنهمرة على خدها ثانية، وأردفت: نحن ما ناس سرقة ولا اختلاسات، أبوي كان موظف حكومي مثالي لحدي ما نزل المعاش، بكره أجيب شعارات ودروع التكريم حقتو تشوفها.
في هذا الأثناء دخل شرطي مكتب الضابط المحقق وسلمه ورقة وانصرف. فإذا برقية من بنك البقعة التجاري، قرأها بروية:
“نفيد سعادتكم بأن الشيك رقم 10764 المحرر على بنك البقعة التجاري بقيمة ٤٧ ألف دولار قد تم صرفه باسم تاج السر خلف الله الإمام، جواز سفر رقم K09821761 يوم السبت بتاريخ ١ اكتوبر ٢٠١٦ بالعملة المحلية الساعة التاسعة والربع صباحا”.
شكر نوال على تعاونها وأبلغها أنه ربما يحتاج إلى معلومات أخرى إن تطلب الأمر، وصرفها. وطلب التاج أن يدخل إليه التاج على فور بناء على ما جاءت به البرقية، وللتأكد من إفادته السابقة الخاصة بتناول القهوة في شارع النيل. دخل التاج محمر العينين مكفهرا، وأفاد بناء على أسئلة عدة واتهامات وجهت إليه بأنهم مجموعة من الأصدقاء والتجار يلتقون أحيانا عند مونتا الحبشية، يشربون القهوة الصباحية، ويتبادلون الأخبار، وأسعار الدولار، وأنه لم يدخل في ذلك اليوم بنك البقعة التجاري ولم يأت بشارعه أصلا، ولا يعرف شخصا باسم تاج السر خلف الله الإمام، ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بترك العاملة ألماظ للعمل في بوفيه خدمات الموظفين بالشركة، وأكد أنه قابل زاهر عابدين في إحدى إشارات المرور وحيا كل منهما الآخر من داخل عربته، ولم يزره في شركتهم.
مسح الضابط المحقق على طرفي شاربه ورفع حاجبه الأيمن، وحاول أن يجد خيطا لعلاقات تبدو غير واضحة بين مونتا وألماظ الحبشيتان والتاج، ولكنه آثر التدقيق في هذا الأمر لاحقا بعد أن يجمع معلومات أكثر عنهما، ومن ثم يستدرج التاج في الحوار أثناء التحقيق، للوصول نقطة التقاء. ثم استدرك أن المشكلة الراهنة هي قضية الشيكين، فقال مفترضا:
طيب لو فرضنا جدلا كما تفضلت أن الشيك رقم 10764 الخاص بمعاملة الفورموست صرف من قبل شخص أو تاجر آخر له علاقة بشيخ خالد، أو ادخله شيخ خالد في مبايعة لماذا لم تتصل به لتسأل ما إذا كان الشيك رقم 20047331 الخاص بمبايعة الكركدي بطرفه لتخلي طرفك على الأقل من الناحية الأخلاقية؟
وهو يحك بسبابته الكدمة التي على خده الأيسر:
حاولت، حاولت والله عدة مرات، ولكني فشلت، لم يرد علي شيخ خالد، ثم تواصلت مع عبد الباسط، بعد أن أخذت رقم هاتفه من نوال، وعبد الباسط قال لي” أنه لا يعمل معهم أحد باسم تاج السر خلف الله الإمام، وأن شيخ خالد سافر إلى أديس أبابا الساعة السادسة مساء الجمعة ٣٠ سبتمبر، بعد سفر هوانشان بيومين..
قاطعة الضابط المحقق مستفسرا:
مين عبد الباسط ؟، قبل شوية نوال ذكرت اسمه، ومين شان دا؟
صحيح يفترض أوضح ليك يا جنابو، عبد الباسط ده شاب سوداني وهوانشان صيني وهم الإثنين شغالين مع شيخ خالد.
طيب وبعدين الحصل شنو؟
أيواا ما قلت ليك عبد الباسط قال لي رقم شيخ خالد السوداني لا يستجيب، وليس له رقم آخر غيره، ولا يعرف رقما لهوانشان أصلا، وأن عمله مع شيخ خالد يبدأ بعد وصوله السودان، ويستأجر مكتبا في فندق الأكربول لمدة أسبوع أو أسبوعين، وتنتهي مهمة المكتب بسفر شيخ خالد، وليس له مرتب شهري، فقط يعطيه شيخ خالد مبلغاً مالياً نظير اتعابه قبل سفره”. ثم مال ظهره للخلف على الكرسي ورفع يده في وجه الضابط المحقق وأردف:
جنابك أنا موجود، وفي أي وقت تحت أمرك، دي المرة الثالثة تحقق معاي، وأنا صاحب حق، وحقي مسروق، لكن أسمح لي أسألك سؤال، أنتو لميتو في حازم؟”
حسب علمنا، وحسب كلامك في التحقيق الأول أنو كان شغال طيلة أيام هذا الاسبوع واخد منك إجازة اليوم الثلاثاء عشان حا يرحل أخوه وعياله من مطار الخرطوم لكوستي. الكلام ده صاح؟
نعم جنابك، دي المعلومة العندي؟
نحنا بدورنا اتصلنا عليه عدة مرات لكن ما كان في رد !!!، ربما كان في حته ما فيها شبكة، لكن أطمئنك الراجل رد قبل شوية، وقال بصل في وقت متأخر مساء اليوم، ويوم الأربعاء الساعة الثامنة حا يكون معانا هنا للتحقيق.
رد التاج منفعلا والغضب بين عينيه:
تضمن كيف جنابك؟ وكان شرد؟
ده شغلنا يا أستاذ، معليش لما تجتمع عليهو الأدلة وتدينو نحن بنعرف شغلنا معاهو، بعدين تعال أسألنا، نحن الآن في مرحلة تحقيق وجمع أدلة، مش ممكن تكون شكوكك دي لا أساس لها، أو عارية من الصحة، إلا إذا كانت في معلومة تانية أنت أو غيرك أخفاها علينا. وكان من شأنها يعني تقوية الدعوة.
على كنبة الانتظار خارج غرفة التحقيق جلس حازم الفكي صباح الأربعاء كما وعد تماما عند الثامنة، ظل منتظرا إلى أن جاء الضابط المحقق عند التاسعة. واضعا في حسبانه الشكوك التي استقاها من تحقيقه مع التاج، أمر الضابط المحقق شرطيا ليتحقق من هوية الجالس على كنبة الانتظار، إن كان حازم أم غيره. ولما أكد له الشرطي أنه هو، تركه في الانتظار لنصف ساعة أخرى، وخرج من مكتبه يراقب لغة جسده، وفقا لما درس في آخر دورة تلقاها في برنامج الشرطة التدريبي أثناء الخدمة، التوتر، القلق، عدم الاستقرار المكاني، التعرق، سرعة حركة الرأس، وكثرة الالتفات، وحركة العينين، الارتباك، والتصرف غير المنطقي، فرقعة الأصابع. ولكنه لم يجد علامة من هذه يهتدي بها. فقرر اختباره بطريقة أخرى، فمر بالقرب منه وقال:
إنت، مش كده؟
…………
ولما التفت وجد حازم كأن لم يسمع شيئا، فكرر العملية مرة أخرى، ولكن بلا جدوى، فوكز حازم برجله، واعتذر له، فاستيقظ حازم الذي يبدو أنه كان نائما بالفعل أو متظاهرا بالنوم. أدهشه ما رأى، أدخله غرفة التحقيق وأيقن أن الذي أمامه ما هو إلا شخص لا تهمه التهمة، وأنه غير مبال لما يجري في الشركة. سأله عدة أسئلة، ولم يركز كثيرا في ردوده، ودون بعضا من أقواله وصرفه.
نواصل..