
رواية الكروان لا يغرد دائماً مقاربة تطبيقية في سياق ثقافي
الأستاذ/ أبوطالب محمد
2-2
الرواية قيد الدراسة للكاتب عمر طه صدرت عن دار مدارك للطباعة والنشر والتوزيع في العام 2017م، تحدثنا في مقدمة هذه الدراسة الأسبوع الماضي إلى أن الرواية تطرقت إلى حياة الريف السوداني النوبي من وجه نظرية إنسانية عامة وبمعنى آخر أن الرواية لم تنحصر في المجتمع النوبي وحده بل وسّعت مسارات سردها إلى بيئات أخرى، وفي هذا الصدد يقول حجاج أدول :(من يقرأ الأدب النوبي على أنه أدب يعبر عن الشعب النوبي فقط، يظلمه ظلماً جهولاً الأدب النوبي مثلما هو يعبر عن الشعب النوبي في وقت معين وحالة معينة بتداعيات جغرافية وتاريخية ونفسية، فهو يمتد جنوباً ليعبر عن قطاع إنساني مشترك مع بقية البشر أجمعين) .
التقت الرواية أيضاً بالتاريخ السياسي عندما وظفت الصراعات الدامية بين ثلاثة من أبناء العم. حدثت في ستينيات القرن التاسع عشر. في بلاد النوبة السفلى أقصى شمال ما عُرف بالسودان التُركي وفي بلدة صغيرة بين النهر وهم من أتراك البوسنة الذين ولاّهم السلطان (سليم الأول) فتح مصر فتصاهروا مع عرب القراريش والجابركية والنوبة وتزوجوا منهم وحكم هؤلاء الحكام بلاد النوبة من الشلال الأول وحتى الثالث، كان آخر كاشف على البلدة الصغيرة وما جاورها من البلدان في ذلك الوقت يُدعى (حمزة سليم داؤد)، ولما لم تكن له ذرية تخلفه في الحكم، وجريا على عادة النوبين في توريث الحكم لابن الأخت فقد عهد بالكاشفية لابن أخته (عبد الله خليل)، إلا أن أبناء عم (حمزة) كانوا يرون أنهم أحق بكاشفية جدهم الكبير شاويش فنشبت بينهم وبين (عبد الله خليل) في مواضع أكثر انفتاحا خلافات وصراعات على السلطة.
استندت الرواية في مواضع أكثر انفتاحاً إلى الموروث الثقافي الذي جاء جزءاً أصيلاً في بنية سياق النص وتأكيداً للجانب الجمالي الفني قصد الكاتب من خلاله إبراز ثقافة المجتمع النوبي ووعي موروثاته الثقافية حيث وظفت الرواية المهرجان السنوي لحصاد البلح في كل بلدات النوبه، وهي مناسبة احتفالية يحرص الجميع على حضور أيامها، حتى أولئك الذين يعملون في المدن البعيدة يحرصون أن تتزامن اجازاتهم مع أيام المهرجان فيكون للجميع نصيب من الجوائز في نهاية كل دورة. تلعب وظيفة المهرجان في بنية الرواية على توضيح انصهار النسيج الاجتماعي والاستمرار في النهوض بالتنمية الاقتصادية وتوفر فرص العمل وزيادة الانتاج الزراعي.
واستعان سياق الرواية الثقافي بأسطورة الغريب الحكيم وتحديداً أن بلاد النوبة معبراً للعابرين بمختلف أجناسهم ومللهم وسحنهم، وهم في معظمهم عابرون غير مقيمين منذ اتفاقية البقط حتى الآن، تشير الرواية إلى أشهر الجوابين رجل يقال له (شيخ محمد)، جاب المنطقة من جنوبها إلى شمالها يقضي يوماً هنا وهناك، يسير طول الوقت لا فرق عنده بين زمهرير الشتاء وهجير الصيف لم يره أحد يركب عربة. كل المناطق تعرف قدر الرجل وزهده وعلمه ويحتفي به الجميع أينما حل وفي كل بلدة له خاصته ومريدوه يباهون بينهم إن الشيخ شرف بيته وأكل من طعامه، وتتودد له النسوة لزيارة بيوتهن فتحل البركة فيهن وفي أولادهن وبناتهن، ينادي على صاحبة البيت أن تأتيه بالطعام فلا تسعها الفرحة بهذا الشرف، ومن كراماته يوزع التمر فوق أسطح البيوت فتحل البركة بالبيت وأهله حتى أمهات العذارى يتوددن له كي يزور بيوتهن حيث أن كل فتاة يهم بها يأتي من يخطبها في غضون أيام، تقترب شخصية (شيخ محمد) من شخصية الزين عند الطيب صالح وكلاهما أولياء صالحين يتودد لهم المجتمع ويمدونه بكرامات ويقفون مع الضعفاء والمعتوهين والمنبوذين في المجتمع، إذن شخصية (الشيخ محمد) ولي صالح حرك حياة الناس وبعث فيهم روح المودة والتسامح وصار قبلة للجميع، أقبل على البلدة أيضاً شخص يصفه الراوي بأنه شديد السواد تكاد عيناه تقدحان شرراً من شدة إحمرارهما من طول المسير تحت وهج الشمس يلبس جلباباً كثير الخروق ويحمل فوق رأسه صُرة مهترئة، استقر في البلدة ردحاً من الزمان وخلق علاقات طيبة مع المجتمع ويوم رحيله شيّد بموكب ضخم من الصبية يودعونه بأسى بالغ ودموع غزيرة. كما رحب المجتمع أيضاً بشخصية شاب يدعى (محمد ملكه) قدم من حدود أرض أسوان وأثارت قصته مشاعر شتى، يقال أن أصدقاؤه يوم عرسه سقوه مغلي مخدر البنقو ليلة عرسه، وعندما اصطفت صفوف الراقصين في الحفل وماجت الأنوار، زاغ عقله فاستل سيف عرسه وصوبه على الرقاب فقتل من قتل ونجا من نجا وانقلب العرس إلى مأتم فأُدخل السجن بدلاً من أن يزف عريساً، قضى فترة في السجن بسبب الفعل الذي ارتكبه أصابه مس من الجنون وصار جواب المناطق المتأخمة حدود أسوان يقيم في كل بلدة ويجد الرعاية والعناية والاهتمام، وهي خصلة من خصائل المجتمعات السودانية تعطي الغريب أياً كان وضعه وشكله اهتمام وترحيب بالغ وهذا ما نلحظه في رواية عمر طه أصبح مجتمعه النوبي في الرواية معبراً للمارة من بلاد المغرب وشنقيط وغرب إفريقيا وبلاد التكارير وهنالك الذاهبون إلى بيت الله للحج منهم من يواصل طريقه إلى هناك ومنهم من لا يتحمل عناء السفر وطول المسير فيستقر به المقام في بلاد النوبة.
يشكل وجود الغرباء في بلاد النوبة نسيجاً اجتماعياً جديداً يتعايش مع المجتمع النوبي وياكف ثقافته وطريقة التواصل في العيش معه نسبةً لأنه مجتمع مفتوح على ثقافات متنقلة من جميع إفريقيا.
وظفت الرواية السحر في المجتمعات السودانية وهي ثقافة يعتقد فيها المجتمع ويدلل النص بحكاية الرجل الذي غرس حربته في عنق التمساح وغاص بالحربة داخل الماء ومضى لحالة. مرت سنوات ونسي الرجل أمر حربته، وفي مرة سافر الرجل إلى الصعيد في تجارة وأدركه الغروب عند بلدة صغيرة فصعد إليها، ثم رحب به وأخذوا يسألونه عن أخباره وعن أهله ومن أين جاء ريثما يأتي العشاء، بعد العشاء استأذن الرجل الصامت بقية الرجال أن يسمحوا له باستضافة الضيف للمبيت عنده وانصرف وسط همس الآخرين، في المضيفة حدث ما لم يكن في الحسبان حيث فوجيء بحربته معلقة على الحائط وسط مجموعة من الحراب والسيوف فبهت وأسقط في يده وتسمر في مكانه وقد أدرك أنه في وكر التماسيح بعد لحظة قطع المضيف رهبة السكون قائلاً:(لا عليك يا رجل، لا تخف ولك الأمان الآن ولقد عرفت أنني ذلك التمساح الذي غرست فيه حربتك.. فإني أنصحك بألا تعترض طريق كل تمساح يسافر شمالاً ويعود جنوباً فربما يكون من سحرة نافا يسعى لرزقه ورزق أولاده، وأوصله الرجل التمساح إلى مركبه وأعاد إليه حربته.. الرواية ص 105).
قدمت الرواية في إطار سياقها الثقافي شهادات ضافية عن سيرة المجتمع النوبي وثقافته وعاداته وتقاليده ومعتقداته بحسبان أن عادات الناس وتقاليدهم خليط من الأديان والمعتقدات في تناغم تام بين كريم المعتقدات وقدسية الأسلاف وما جاءت به الديانات السماوية فتجد الفرعوني واليهودي والمسيحي والإسلامي يعيشون جنباً إلى جنب في أريحية وتسامح في كل مناسبة من مناسبات الحياة وأحداثها من ميلاد وزواج وموت. كما وظفت طقوس العبور (دورة الحياة) من الميلاد حتى الموت مثلاً في اليوم السابع للولادة يؤذن على المولود باسمه بعد ذبح شاة وتوزع لحمها على الجيران. وعندما يبلغ سن الأربعين يوماً يقام له قداس الأربعين في النهر القديم، وطقوسه خليط من عادات فرعونية ويهودية ومسيحية ظلت في اللاوعي النوبي منذ آلاف السنين تحمل الأم مولودها وتذهب به إلى النهر وبرفقتها بعض النسوة والصبية والبنات، تدخل الماء وتكشف وجه الطفل ثم تغرف غرفة من الماء وتغسل به وجهه ثم تغسل وجهها، وباقي النسوة يوقدن النار على الشاطيء حيث تقفز الأم بمولودها فوق النار سبعة مرات وعلى بقايا النار تضع النسوة الفطائر ويضعنها في طوف من القش كما وضعت سفورة وليدها موسى عليه السلام بأمر ربها، فيدفعن بالطوف داخل النهر فيعلق ببعض نباتات البردي في الشاطيء الضحل فيتخاطف الفطائر بعض الصبية قبل أن يحمل التيار الطوف إلى قصر فرعون. وفي طقس الزواج ينزل العريس برفقة أصدقائه إلى البحر يغتسل في النهر ويلبس ملابسه الجديدة ويصر القديمة في صرة يعودون بها إلى البيت، وعند الساحة يحيط الشبان بالعريس فيلقى بالصرة عالياً في الفضاء والمحظوظ من يلتقطها قبل الآخرين، فيكون هو العريس المرتقب حسب الاعتقاد السائد بين الناس. ثم هناك في الرواية إشارات مستفيضة عن مراسم الجرتق لدى النوبيين وتعقد بين جمع من النساء فيغنن له أغنيات في مدح الرسول (ص) ومريم العذراء وفي اليوم السابع يزف العرسان إلى البحر بالأهازيج والغناء حيث يتبركان بماء النهر وسط دعوات كبار السن من النساء أن يجعل الزواج زواجاً ميموناً وأن يرزقهما الله بنيناً وبنات.
وصورت في ختام هذا السياق قصة تهجير أهالي حلفا في مشاهد درامية بالغة المأساة ويصورها الراوي قائلاً:(من الفجر جاءت شاحنات الجيش الضخمة لنقل الناس… فاليوم مآتم الوطن الكبير حيث المصاب الجلل والمعزون كُثر… فالحدث والموقف يبكي لهما حتى من كان من أهل القبور… تم اقتلاع الناس من بيوتهم وجرهم جراً من فوق قبور موتاهم فهذه امرأة تتشبث بقبر أمها تولول وتنوح وتلطم خدودها، وأخرى تبكي ولدها الذي فجعت فيه قبل سنوات وهو ما يزال في ريعان الشباب… وتلك أرملة في معية الصبا تبكي زوجها الذي ابتلعه البحر… وهناك شيخ وقور يتنقل من قبر إلى آخر فمن يودعهم اليوم كثيرون الأب والأم والأخ والأخت والزوجة والولد يتمنى لو أن الموت أدركه قبل هذا فيدفن معهم ومع آبائه وأجداده… الرواية ص 158). ويمضي في مآسٍ أخرى سارداً:(الكل يبكي نفسه ومصير الذين على القطار يبكون مصيرهم المجهول خلف التيه و الأتمور والذين على الرصيف يبكون مصيرهم المجهول أمام مياه الطوفان التي سوف تطاردهم من ربوة إلى ربوة ومن قمة جبل إلى قمة جبل سنين عدد… الرواية ص 160). يتضح أن الرواية تحركت في سياقات معرفية عِدَّة مقترنة بالمجتمع النوبي وبثقافته وتاريخه وانفتحت بشكل رئيس على موضوعات المستقرين وانخراطهم في المجتمع النوبي، تجسدت جميع هذه القضايا في ترتيب سردي منتظم يوضح من خلاله احتفال الإنسان.النوبي بأنماط حياته الثقافية وانصهاره مع مجتمعات عرقية أخرى وفي مواضع سردية أخرى توغلت الرواية في المعتقدات الشعبية السائدة في المجتمعات السودانية بشكل عام والمجتمع النوبي بوجه خاص وفي أنموذج من المعتقدات التي وظفتها الرواية يحكي الراوي قائلاً:(إن هناك رجلُ زاهدُ في السلطة ولي من أولياء الصالحين، تقدم نسوة البلدة عنده قبره النزور، أملاً في خلفه بعد طول انتظار أو رجاء في زواج بعد سنين يأس، وتُوهم ابنته الأشقياء من صبية البلدة وتخيفهم إن قطعوا زرعاً أو حصبوا نخلاً أو شجراً، تخيفهم بوضع سبع حبات من الترمس في زجاجة ماء عند رأس القبر حيث توهمهم بأن بطونهم سوف تنتفخ مع انتفاخ حبات الترمس وحينما تنفلق حبات الترمس بعد سبعة أيام، تنفلق معها بطونهم، فلا يقربون نخلها وأشياءها، وتنثر الحب فوق قبره فيلتقطه الطير، وتملأ إنا الفخار الموضوع عند رأسه بالماء فيشرب منه الوحوش والطير فينال ثواباً عظيماً… الرواية ص 18)
إن علاقة الرواية بالموروث الثقافي ناتجة عن ثراء الموروثات النوبية وتوظيفها أعطى الرواية بُعداً جمالياً فنياً أزال هيمنة الراوي المقرد، كثف الموروث الثقافي تعدد الرواة الكل في النص حكاء منطلقاً من خلفيته الثقافية ومندمجاً مع نسيج مجتمعات سودانية أخرى ذات ثراء ثقافي أوسع.
استنتاجات ختامية:-
1- استندت الرواية إلى الريف السوداني النوبي وشرحت قضايا إنسانه بحكم أنها رواية نوبية سياقاً ومعنى.
2- أسست الرواية سياق ثقافي عام للمجتمعات النوبية وأبرزت عبر سياق الموروثات الثقافية قضايا معرفية عالجتها ضمن محتويات سردية ذات دلالة ومغزى.
3- تناولت الرواية الرق في المجتمعات السودانية وكيفية الانعتاق منه والانصهار في المجتمع الجديد.
4- جسدت الرواية صراعات العمد حول السلطة في مجتمعات سودانية ضاربة بجذورها في القدم. كما وظفت التاريخ السياسي الحافل بالصراعات الدامية في القرن التاسع عشر.
5- صورت الرواية قصة تهجير اهالي حلفا في مشاهد درامية بالغة الآسى.
6- ساعد انفتاح الرواية على موضوعات ثقافية تكثيف عدد الرواة حيث الكل حكاء له جذوره الثقافية وانتمائه مع ثقافة المجتمع النوبي.
*******
• قدمت في المؤتمر العلمي السادس عشر للرواية السودانية- مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي 2020م
تحت شعار: آيديولوجيا الخطاب الروائي (قراءات في تجارب روائية)
إحالات مرجعية:
1- حسن دفع الله، هجرة النوبيين (قصة تهجير أهالي حلفا)، ترجمة/ عبد الله حميدة، دار مصحف أفريقيا، 2000م، ص11.
2- نفسه، ص71.
3- عفاف سليم علي/ عادات وطقوس الزواج عند الحلفاويين: دراسة مقارنة بين وادي حلفا قبل التهجير وحلفا الجديدة)، جامعة الخرطوم، معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية- قسم الفلكلور(دراسة ماجستير غير منشورة)، ص 21.
4- محمد المهدي بشرى/ الرواية السودانية في 60 عاماً، الخرطوم، مطبعة جامعة الخرطوم للنشر، 2015م، ص 128.
5- بدر الدين الهاشمي(ترجمة، تحرير)/ الرق في تاريخ السودان بأقلام غربية، الخرطوم، باركود للنشر والتوزيع والترجمة، 2020م، ص 129.
6- عمر طه/ رواية الكروان لا يغرد أبداً، الخرطوم، دار مدارك للنشر، 2017.