
مع مهاتير محمد في مكاتب (أصداء سودانية)
بعد .. و.. مسافة
مصطفى أبوالعزائم
*جلسنا قبل أيام قليلة داخل مكتب الأستاذ صلاح عمر الشيخ في صحيفة (أصداء سودانية)، الدكتور عبدالملك النعيم ، والأستاذ محمد عثمان الرضي، القادم لتوه من بورتسودان، وشخصي الضعيف، نتفاكر ونتحادث حول الشأن السوداني العام، والمآلات المتوقعة في ظل الأحداث التي تمر بها بلادنا.
*تطرقنا إلى زيارة مهاتير محمد إلى بلادنا من قبل، وعلمت لأول مرة أن الأخ الأستاذ صلاح عمر الشيخ كانت له يد طولى في الترتيب لتلك الزيارة، وقد أجرى الدكتور عبدالملك النعيم لقاء تلفزيونيا مع الزائر الكريم كان مادة قيمة للصحافة والأجهزة الإعلامية، وأذكر أنني جعلت منه خطاً رئيسياً (منشيت) في الصحيفة التي كنت أصدرها، وقد إقترحت على مجموعتنا تلك أن يكتب كل منا خبايا وخفايا الكثير من الأحداث التي عايشناها، وكنا شهودا، وأن نعمل على تحريض غيرنا من الصحفيين السودانيين كتابة الأحداث التي عاشوها مع إضاءات لبعض ما لم يعرفه غيرهم وقتها، وذلك هو جزء من كتابة التاريخ.
*سبق للمؤرخ والمفكر البريطاني أرنولد توينبي 1889 – 1981م ، أن طرح نظرية جريئة في مجال الدراسات المرتبطة بنشوء وإنهيار الحضارات ، وقد ظل يبحث عن الحوافز الخفية التي دفعت شعوباً بدائية إلى الازدهار الحضاري وأخرى انحدرت إلى التقهقر والعقم، وقد ظل هناك سؤال محير لكل المؤرخين ودارسي الحضارات، حول ماهية العوامل الأساسية التي صنعت تلك الحضارات الكبيرة ، وهل كان ذلك بمحض الصدفة أم بفضل العناية الإلهية، أم لإمتياز عنصر عرقي دون بقية العناصر المكونة للأمة ، وهل للظروف الجغرافية علاقة بذلك ، أم أن الثورة الإقتصادية هي الشرارة الأولى التي تحفز الهمم.
*وقد تفرغ الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الأمريكي الأشهروول ديورانت 1885 – 1981م، وزوجته آييل ديورانت التي كانت تصغره بثلاثة عشر عاماً ، تفرغاً تاماً لنحو أربعين عاماً لتأليف (قصة الحضارة) في أحد عشرة جزءو الذي ترجم إلى كل اللغات الحية .. بما فيها اللغة العربية بإشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية ، وقد صدرت النسخة العربية المترجمة في إثنين وأربعين مجلداً ، و(قصة الحضارة) عبارة عن موسوعة في الفلسفة والتاريخ تعكس تحليل مؤلفها لقيام الحضارات وزوالها ، ويحمد له أنه أنصف الحضارة العربية الإسلامية لإلتزامه بالموضوعية والمنهج العلمي والإلتزام الأخلاقي أو ما يمكن أن نسميه بالضمير الأكاديمي ، إذ عكس أثر الحضارة العربية والإسلامية على الحضارات الإنسانية.
*الآن ظهرت دراسات تؤكد على أن أرض السودان كانت هي مهد البشرية الأول، بل ذهب البعض إلى إعتبار أن أرض النيلين كانت هي المقصودة في رحلة سيدنا “موسى” عليه السلام ، وظهرت باكراً نظريات تؤكد على أن إنسان سنجة هو أقدم إنسان وجدت آثاره على الأرض ، وإن كانت هذه النظرية قد إهتزت قبل أيام بتطورات جديدة في التحليل ، وقد كنا ندرس ذلك في المرحلتين الوسطى والثانوية ، ثم ظهرت الحضارات القديمة المروية ، والكوشية ، ونشأت ممالك سبأ وعلوة والمقرة ، ولا زالت آثار هذه الحضارات قائمة إلى يومنا هذا ، تشهد على ما كان عليه حال أهل السودان في السابق ، وهي تشهد للأسف الشديد ما آل إليه حالنا اليوم ، من تفكك ونزاعات وحروب مع عدم القدرة على احتمال الآخر.
*تناولنا في جلستنا تلك ما يمكننا القول بإختصار شديد إن الحضارة هي محاولات الجنس البشري على الأرض لإخضاع الطبيعة أو السيطرة عليها وتنظيم تلك السيطرة لصالح مجتمع ما قامت فيه تلك المحاولات.
*إذاً يكون سؤالنا هو لماذا لم نتقدم أو نتوحد رغم كل هذا الثراء التاريخي والحضاري (؟) وفي تقدير خاص نرى أن مركزية السلطة وإتخاذ القرار هي ما يعول عليه كثيراً في تثبيت قواعد الحضارة ، لذلك نجد أن الحضارات الإنسانية القديمة كلها نشأت تحت ظل سلطة مركزية مثل ما حدث في مصر القديمة ، أو الصين ، أو الهند ، أو بلاد فارس ، أو حتى في روما وأثينا ، حيث كان الملك أو الحاكم أو السلطان هو السلطة الأعلى التي تُخضع الأمصار والبشر ، ونادراً ما تحدث تفلتات ضد الأوامر العليا ، وهو ما نطلق عليه حالياً هيبة الدولة ، والتي غالباً ما يضعفها الفيدرالية أو الحكم الولائي لأنه يعزز مفهوم الإستقلالية عن المركز ويقوي من الإعتقاد الزائف بالتميز عن بقية المواطنين في أنحاء الوطن المختلفة.
*نعود لزيارة رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد ومفجر نهضتها الحديثة، وتابعنا الحراك الذي أحدثته إلى بلادنا ومشاركته في كثير من الفعاليات، وذكر الدكتور عبدالملك النعيم أنه سأله في البرنامج عن التحديات التي واجهته أول سنوات الحكم ، فقال إن أخطر ما كانت تواجهه ماليزيا، كان هو التباين الكبير والتمييز بين الإثنيات ، حيث كان الصينيون يتمتعون بالثروات والأعمال الضخمة، بينما يتفوق الماليزيون الهنود في الأعمال والحرف التي تتطلب الدقة والمهارة ، في وقت كانت نسبة من السكان هم (الملايو) يعانون من الفقر والجهل والعطالة ، فكان أول ما اتجهت إليه الحكومة أن قامت بتمييز (المالايو) تمييزاً إيجابياً ، وفرت لهم التعليم المجاني وكذلك العلاج إلى أن حدث ذلك التغيير المنشود شيئاً فشيئاً ، فنهضت الأغلبية لتنهض الدولة.
*سُئل مهاتير محمد في لقاء آخر في قناة الجزيرة على ما أذكر، عن إن كان بعض الحكام العرب أو الأنظمة العربية تتصل به لنقل التجربة للإستفادة منها ، فقال (السودانيون)، وعندما سئل لماذا لم يستفيدوا من التجربة الماليزية قال (اختلاف الثقافات).
*ترى هل يبقى السودان دولة واحدة متماسكة أم يتفكك (؟) الإجابة في ظهر الغيب.
*إن أردنا أن نبقى علينا أن نبتعد عن مواطن الجاهلية الأربعة الواردة في القرآن الكريم ، وهي (ظن الجاهلية) الذي يعني فساد الأمة بفساد القلوب ، و(أفحكم الجاهلية) الذي هو فساد الأمة بسبب فساد الحكام ، و(تبرج الجاهلية) وهو فساد الأمة بسبب فساد النساء والأخلاق ، و(حمية الجاهلية) التي هي فساد الأمة بسبب القبلية والطائفية والتعصب.. وهذه الأربعة ما أصابت أمة إلا أهلكتها وهدمت ماضيها وأذلتها إلى الأبد.