حين تبدو المدينة كلها مضاءة
دراسة تحليلية نقدية للقصة القصيرة جدًا ( نقلة) للكاتب السعودي حسن علي البطران
بقلم الناقد الدكتور الصادق عبد المولى – السودان:
نشرتُ كعادتي على حسابي في الفيس بوك قصة بعنوان ( نقلة ) وهي من القصص القصيرة جداً التي أشتغل عليها تكثيفاً ورمزيةً وتحمل رؤية ومفارقة فلسفية ، حيث نشرتها يوم الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠٢٦م الموافق غرة شهر رمضان المبارك ١٤٤٧هـ
وفاجأني الناقد السوداني الدكتور الصادق عبد المولى عبر الخاص بهذه القراءة النقدية للقصة ، وها أنا أشارككم قراءتها هنا عبر المتناثرات الإبداعية.
النص:
أضاءة المدينة
ومازالت الشمعة تحترق بهدوء
مدخل نظري:
تنتمي هذه الومضة السردية إلى جنس القصة القصيرة جدًا الذي يقوم على التكثيف، والإقتصاد اللغوي، والإعتماد على المفارقة والرمز.
والنص – رغم قصره – يؤسس مشهدًا مكثفًا قائمًا على تضاد دلالي بين الإضاءة الكلية والإحتراق الفردي.
دلالة العنوان (نقلة)
يحمل العنوان كلمة مفردة
(نقلة)، وهي لفظة تشير إلى التحول والإنتقال.
غير أن المفارقة تكمن في أن المتن لا يقدّم نقلة حاسمة بقدر ما يكشف إستمرار ًا
فالشمعة ما زالت تحترق رغم إكتمال الإضاءة.
يمكن قراءة العنوان بوصفه:
نقلة حضارية من البساطة إلى المدنية
نقلة زمنية من الماضي إلى الحاضر.
أو نقلة رمزية من الضوء الطبيعي إلى الضوء الصناعي.
لكن إستمرار الشمعة يوحي بأن النقلة لم تكن قطيعة، بل إنتقالًا لم يُلغِ الأصل.
التحليل الدلالي:
1- أضاءة المدينة
اللفظ هنا لا يشير إلى تعدد المصابيح، بل إلى حالة إشراق كلية.
المدينة تبدو مكتملة الضوء، غارقة في الإنارة، في حالة حضارية متقدمة.
هذه العبارة تقوم بوظيف إفتتاحية مشهدية:
لا فعل فيها
لا حركة
مجرد حالة ضوئية شاملة
كأن الكاتب يضعنا أمام خلفية مضاءة بالكامل
2- ومازالت الشمعة تحترق بهدوء
تبدأ الجملة بأداة الإستمرار (مازالت)، التي تفيد الزمن الممتد
الإحتراق فعل مستمر، غير منقطع
الشمعة هنا:
كيان فردي صغير
مصدر ضوء محدود
فعل إحتراق صامت
وإضافة (بهدوء) تعمّق المعنى
)لا صخب
لا إحتجاج
لا صراع مباشر مع المدينة
إنه إحتراق وجودي، لا تنافسي
المفارقة المركزية:
المفارقة في النص ليست بين الظلام والنور، بل بين ضوء عام مكتمل وضوء فردي مستمر.
السؤال الضمني الذي يطرحه النص:
لماذا تحترق الشمعة في مدينة مضاءة؟
هنا تتعدد التأويلات:
– الضوء المادي لا يغني عن الضوء الإنساني.
– الحضارة لا تُلغي الحاجة إلى الدفء الروحي.
– الفرد يظل يحترق بعطائه حتى في مجتمع متخم بالإمكانات.
– أو أن المدينة رغم إشراقها الخارجي تعيش ظلمة معنوية.
إذن المفارقة هنا فلسفية، لا بصرية
البعد الإنساني والوجودي:
يمكن قراءة الشمعة رمزًا لـ
الإنسان الفرد
أ-المثقف في زمن الضجيج
ب-القيم الأصيلة في عصر الحداثة
ج-الضمير في فضاء مادي
د-الإحتراق هنا ليس مجرد إضاءة، بل تضحية
ه-الشمعة تنقص لتضيء
وهذا البعد الوجودي يمنح النص عمقًا يتجاوز مشهديته.
الإقتصاد اللغوي وجماليات الومضة:
النص مكوّن من جملتين فقط، ومع ذلك يحقق:
1- تكثيفًا دلاليًا عاليًا
2- إنزياحًا رمزيًا
.3- مفارقة صامتة
4- فراغًا تأويليًا مفتوحًا للقارئ
5- غياب الشرح يضاعف الإيحاء
القصة تعتمد على (البياض) بقدر إعتمادها على الكلمات
القراءة الحضارية في سياق إجتماعي أوسع، يمكن فهم النص بوصفه تعليقًا على:
التحول من البساطة إلى المدنية.
العلاقة بين الأصالة والتحديث.
سؤال الهوية في ظل التحولات السريعة.
المدينة مضاءة، لكن الشمعة لم تنطفئ.
كأن الكاتب يقول إن الحداثة لا تُقصي الجذور، وإن الفرد لا يذوب تمامًا في الجماعة.
خاتمة:
قصة (نقلة) نص قصير في حجمه، واسع في أفقه التأويلي.
نجح الكاتب حسن علي البطران في بناء مفارقة دقيقة بين الإشراق الجمعي والإحتراق الفردي، وجعل من الشمعة رمزًا إنسانيًا يتجاوز وظيفته الفيزيائية إنها قصة عن الضوء، لكنها في جوهرها تأمل في معنى الإستمرار،
وفي تلك القيم الصغيرة التي تظل مشتعلة، حتى حين تبدو المدينة كلها مضاءة.