آخر الأخبار

شكر الله خلف الله… ضمير الفن وذاكرة الوطن

مدارات للناس

هاشم عمر

 

*في زمنٍ تتقاذفه رياح الحرب وتتهدد فيه ذاكرة الشعوب، يبرز اسم المخرج السوداني شكر الله خلف الله كأحد أبرز حماة الوجدان القومي، وصوتًا فنيا ظل وفيا لمؤسسات الإعلام والثقافة في السودان، لا سيما الإذاعة والتلفزيون والمسرح القومي.

*ينتمي شكر الله إلى جيلٍ تربّى في ما يسميه بـ(لحيشان الثلاثة) المسرح، الإذاعة، والتلفزيون. لم تكن هذه المؤسسات بالنسبة له مجرد أماكن عمل، بل كانت فضاءات لصناعة الوعي الجمعي، وتشكيل الهوية السودانية، وتوثيق لحظات الفرح والحزن والانتصار والانكسار.

*يرى شكر الله أن الإذاعة والتلفزيون ليسا مجرد أدوات إعلامية، بل هما مرآة لحال الدولة والمجتمع، ووعاء وجداني جمع السودانيين من مختلف الجهات والانتماءات. وقد عبّر عن قلقه العميق من أن تطال الحرب مكتبة وأرشيف هاتين المؤسستين، قائلاً: نصبح ونمسي ونتمنى ألا يطال الخراب مكتبتي الإذاعة والتلفزيون، لأنهما جزء من تاريخ ووجدان الشعب السوداني.

*من أبرز إنجازاته الفنية، إخراجه سهرة (لقاء الذهب) في – اليوبيل الذهبي للتلفزيون القومي عام 2012م- ، والتي جمعت بين العملاقين محمد وردي و محمد الأمين ، إلى جانب الإعلامي الطيب عبد الماجد والبروفيسور علي شمو. استغرق الإعداد لهذا اللقاء ستة أشهر من التنسيق والإقناع، ليخرج بلقاء لم يتكرر في تاريخ التلفزيون منذ تأسيسه عام 1962م

*من المحطات المهمة في مسيرته أيضا، إعادة تقديم الشاعر والإعلامي الراحل السر قدور إلى الشاشة، من خلال تسجيل أول ظهور تلفزيوني له بالأبيض والأسود في القاهرة، برفقة الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي.

*لم يتردد شكر الله في التضحية من أجل الفن، فقد باع كل ما يملك لإنتاج مسلسل (مهمة 56)، الذي تناول موضوع الهوية السودانية. شارك في هذا العمل نخبة من الفنانين، من بينهم جعفر سعيد ، عبد الرحيم قرني ، عبد الرحمن الشبلي، و ناهد حسن.

*وفي تصريحات صحفية سابقة له وجه شكر الله نداء لإبعاد المؤسسات القومية عن الصراع السياسي، مؤكدًا أنها ملك للشعب، وليست أدوات في يد السلطة، سواء أكانت ديمقراطية أم شمولية. كما دعا إلى قبول الآخر ، والتمسك بشرعية الدولة، والانتماء إلى جيش وطني مهني لا تحكمه الانقسامات السياسية.

*رغم اشتداد الحرب، لم يغادر شكر الله مدينة أم درمان التي أحبها. وبعد دحر المليشيات، كان من أوائل من عادوا إلى الحيشان الثلاثة ، ورافق رفيق دربه الراحل عبد القادر سالم إلى اتحاد الفنانين. التقيت به مرارا في بورتسودان، ووجدته مهموما بمساعدة المبدعين، وقد استطاع أن يوظف علاقاته في دعمهم، إدراكا منه أن أهل الإبداع هم أكثر الفئات تضررا من الحرب.

*شكر الله خلف الله ليس مجرد مخرج، بل هو ضمير فني ووطني ، ظل وفيا لرسالته رغم قسوة الظروف. صوته اليوم هو صوت كل من يخشى على ذاكرة السودان من الضياع، وعلى ثقافته من التآكل وسط أتون الحرب. إنه شاهد على عصر، وصانع لوجدان، وحارس لذاكرة أمة.