آخر الأخبار

مذبحة غابة السنط بالخرطوم.. (1)

  • شاهد عيان يروي تفاصيل أبشع جريمة بيئية في العالم
  • الجنجويد قطعوا أشجار السنط الكبيرة وباعوها بجنوب السودان
  • الشفشافة المحليون قطعوا ما تبقى من أشجار الغابة وباعوها لأصحاب الأفران بأحياء جنوب العاصمة
  • ما فعله المهاويش في غابة السنط يعتبر خسارة فادحة للنظام البيئي البيولوجي والطيور المهاجرة

تحقيق ــ التاج عثمان
ما تعرضت له غابة السنط بالخرطوم من قطع جائر لأشجارها النادرة بواسطة الجنجويد يعد مذبحة حقيقية لم تحدث من قبل في كل أنحاء العالم عدا مذبحة غابات الأمازون الشهيرة.. فغابة السنط بالخرطوم محمية طبيعية عالمية وفقا لتصنيف اليونسكو منذ العام 1939.. بجانب ذلك انها تحتوي على نظام بيئي متكامل وإزالتها بهذه الطريقة المؤلمة تعد خسارة كبيرة للبيئة وللطيور المستقرة والمهاجرة.. غابة السنط بالخرطوم ليست مجرد أشجار (قرض) بل أنها تتميز بخصائص بيولوجية نادرة لتنوعها البيولوجي وإحتضانها نظاما بيئيا متكاملا.. والأهم من ذلك كله انها تعد موطنا لآلاف الكائنات الحية والحشرات والأعشاب البرية والنيلية.. بجانب أنها محطة لإستراحة الطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وامريكا الجنوبية وكندا وآسيا وأفريقيا في فصل الخريف.. التحقيق التالي يكشف تفاصيل مذبحة غابة السنط بالخرطوم التي إرتكبها في حقها وحق البيئة الجنجويد.. بجانب عكس الآثار والأضرار البيئية الخطيرة السالبة الناجمة من فقدان هذه المحمية الطبيعية التي تناهز مساحتها حوالي 882 فدانا وبموقعها الفريد والمميز عند ملتقى مقرن النيلين الأبيض والأزرق
الصحفي والمرأة المخمورة:


عام 2023 قبل إندلاع حرب الخرطوم بنحو شهرين، نشرت تحقيقا صحفيا ميدانيا (تحذيريا) بصحيفة (الحراك السياسي) التي كنت أعمل بها وقتها، كشفت من خلاله تحول غابة السنط بالخرطوم إلى أوكار للجريمة وعصابات تسعة طويلة وصناعة الخمور وترويج المخدرات والحبوب المخدرة التي عصفت بعقول بعض شباب العاصمة.. حيث إتخذ منها بعض النازحين من دولة جنوب السودان بجانب بعض المتفلتين من عصابات تسعة طويلة مقرا لهم يفعلون داخله كل الجرائم والموبقات ويهددون الأحياء المتاخمة لها بالسرقات والتي تحولت في تلك الفترة لظاهرة.. ومن خطورة سكان الغابة العشوائيين أن إحدى الجنوبيات المخمورات شاهدتني وأنا أهم بإلتقاط صورة لها داخل الغابة، فتسللت والدتها من بين أشجار السنط الكثيفة وقتها، وخاطبتني بلهجة غاضبة بلغة لم أفهم منها شيئا سوى إنفعالها وغضبها، فقد كانت تسبني بالرطانة، ثم دخلت لكوخها المشيد من جوالات السكر وأغصان أشجار الغابة المستباحة، لتخرج منه والشرر يتطاير من عينيها وهي تحمل ساطورا طويلا حادا، فما كان مني سوى الهرب من أمامها خاصة بعد ان خرج عدد من الجنوبيين على صياحها وبدأت مطاردتي، الجنوبية المخمورة في المقدمة وخلفها مباشرة أهلها من الجنوبيين أيضا، فقفزت فوق الجسر الترابي شرق الغابة مباشرة وكانت سيارتي قريبة منه، إذ كنت أتوقع ما حدث لما سمعته من تحذيرات البعض من خطورة دخولي الغابة بدون حراسة، ورغما عن ذلك تجرأت ودخلت إلا أنني نجوت من بطشهم بأعجوبة.
وعند نشر التحقيق في اليوم التالي مباشرة إتصل بي أحد القراء، ويبدو انه قرأ التحقيق الصحفي، فطلب مني الإسراع للغابة حيث إستجابت القوات الشرطية المختلفة بمحلية الخرطوم لما كشفه التحقيق الصحفي، مشيرا انها الأن تحاصر الغابة ..فتوجهت من فوري ووجدت قوات الشرطة تخلي الغابة من سكانها العشوائيين وتزيل أكواخهم وتلقي القبض على عدد منهم بتهم الخمور والمخدرات، والأهم تعريض غابة السنط لخطر الحريق، حيث أنني حذرت في سياق التحقيق أن الغابة مهددة بالحريق لإشعال سكانها العشوائيين النيران داخلها بغرض الطبخ وصناعة الخمور البلدية.. كما أشرت في التحقيق ضرورة حماية الغابة بتسويرها ومنع دخول المواطنين إليها إلا عبر البوابة الرسمية، خاصة ان كثير من المواطنين يقومون بقطع أشجارها وبيع جذوعها للأفران.. لكن للأسف وبعد إخلاء الغابة من كل المظاهر السالبة التي كانت تمارس داخلها (عادت حليمة لقديمها)، إذ عادت العصابات الجنوبية وبائعات الخمور لإستباحتها مرة أخرى بعد ان تراخت القبضة الرقابية عليها.. وتمت حرب الخرطوم الناقصة حيث قامت المليشيا المتمردة ومن بعدهم بعض ضعاف النفوس بإرتكاب مذبحة في حق أشجارها التي تنتمي لفصيلة نادرة من أشجار السنط وحولوها لمساحة جرداء تماما، مستغلين غياب السلطات الأمنية أثناء إندلاع القتال بالخرطوم.
أهمية الغابة:
ما حدث لغابة السنط بالخرطوم خلال فترة الحرب مذبحة بحق وحقيقة تمثل خسارة فادحة للبيئة، والطبيعة، والطيور المهاجرة لها.. وقبل الخوض في تفاصيل (مذبحة غابة السنط بالخرطوم)، نلقي بعض الضوء عليها لنعرف مدي أهميتها، فهي ليست مجرد أشجار (قرض) او (طلح)، بل محمية طبيعية عالمية تم ضمها لمنظومة المحميات العالمية بواسطة اليونسكو عام 1939، وهي تعمل على التوازن البيئي وتحتضن نظاما بيئيا وبيولوجيا متكاملا.. وما يميزها من بين كل المحميات العالمية الأخرى موقعها الفريد عند ملتقى النيلين الأبيض والازرق، (المقرن)، مساحتها تقدر بحوالي 482 فدانا، والبعض يشير انها تصل إلى 1500 هكتار.. وتعد من أهم المناطق البيئية في السودان لكونها تتمتع بأهمية بيولوجية نادرة لتنوعها البيولوجي، حيث أنها تحتضن داخلها نظاما بيئيا متكاملا.. وتشكل موطنا للعديد من الكائنات الحية والحشرات وثمار الأشجار والأعشاب البرية والنيلية، مما يجعلها محطة مهمة للطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وامريكا الجنوبية وكندا وآسيا وأفريقيا للتزود بالوقود ــ أقصد للتزود بالغذاء ــ كما انها تعمل كحزام واق للبيئة والمناخ الحلي بالخرطوم، لمساهمتها في ترطيب الهواء في الصيف وتقليل نسبة التلوث، بجانب مساهمتها في تثبيت التربة وحمايتها من التعرية مما يقلل خطر التصحر، خاصة بعد المذبحة التي التعرض لها الحزام الأخضر، جنوب الخرطوم، الذي كان يحمي العاصمة الخرطوم من الأتربة والغبار، لكنه للأسف تم ذبحه وتحويله لمخطط سكني.. كما أنها تعد معلم سياحي وترفيهي لسكان العاصمة من عشاق الرحلات والخضرة والمياه والأشجار والمناظر الطبيعية الخلابة، خاصة في فصلي الخريف والربيع وفيضان النيلين الأبيض والأزرق، وهو موسم وصول الطيور المهاجرة للغابة خلال شهور، سبتمبر ــ اكتوبر ــ نوفمبر.. و تضم غابة السنط حوالي 1300 نوع من الأشجار والحشائش أهما أشجار السنط وتشتهر شجرة السنط بعدة أسماء أهمها: (القرض ــ الطلح ــ أكاسيا ــ أُم غيلا)، وهي وتتميز بمقاومتها العالية لمياه الفيضانات.
تفاصيل المذبحة:


ما حدث لغابة السنط بالخرطوم يعد من أكثر الحوادث البيئية التي تعرضت لها محمية طبيعية عالمية أخرى والتي لم تحدث من قبل في العالم، حيث تم قطع جائر لمعظم أشجارها خلال سيطرة مليشيا الدعم السريع على العاصمة الخرطوم.. والسؤال هنا: من ذبح غابة السنط بالخرطوم وأحالها لأرض جدباء قاحلة؟.. الإجابة تأتي من شاهد عيان على المذبحة من سكان أحد الأحياء الواقعة في محيط الغابة وذلك قبل خروجه من العاصمة هربا من بطش المهاويش طلبا للأمان.. فلندعه يحكي بنفسه ما حدث:
” لاحظت بعد إندلاع حرب الخرطوم ان عددا كبيرا من الجنجويد إتخذوا من غابة السنط مرتكزا لهم واقاموا تحت أشجارها لحمايتهم من قصف الطيران الحربي.. كانوا يقيمون داخلها إقامة دائمة يشعلون النيران من أغصان أشجار الطلح الجافة وقتها لطهي طعامهم، معرضين كل الغابة للحريق حيث كان ذلك قبل الخريف بحوالي شهرين من العام 2023.. كانوا داخل الغابة وكأنهم في رحلة يشفشفون الخراف ويطهونها شواء داخل الغابة المستباحة، بينما كاسات الخمور البلدية والمخدرات تتبادل فيما بينهم.. في البدء لم يلجؤوا لقطع أشجار الغابة ولكن بعد فترة من إقامتهم داخلها لا حظت أنهم أحضروا مناشير يدوية كهربائية ويدوية وبدأوا في قطع أشجار الغابة الكبيرة، وكانوا يأخذون جذوع الأشجار الضخمة ويحملونها على دفارات ثم ينقلونها لمناطق سيطرتهم بدارفور ومنها لدولة جنوب السودان حيث تعرض للبيع هناك لأصحاب أفران الخبز البلدي ومصانع الخمور البلدية والمريسة كما علمت من أحدهم.. وبعد ان ذبحوا معظم أشجار الغابة الكبيرة غادروا ليحل محلهم (الشفشافة المحليين) وهم يحملون الفؤوس والمناشير وقاموا بإستكمال فصول المذبحة البيئية فقطعوا ما تبقى من أشجار، ونقلوها بالكاروهات لبعض أحياء العاصمة الطرفية لبيعها فيما بعد لأصحاب الأفران البلدية والتي كان بعضها يعمل أثناء تواجد (المهاويش) داخل العاصمة، وقتها كان الجنجويد يشرفون ويديرون او في الحقيقة يحتلون كل الأفران البلدية بواسطة بعض ضعاف النفوس من سكان الأحياء الطرفية الجنوبية للعاصمة او ما يطلق عليهم بـ(المتعاونون)، حيث كانوا يقدمون لهم دقيق الخبز الذي نهبوه من مخازن سيقا وويتا ومخازن الدقيق الأخرى التابعة لأصحاب الأفران الآلية والبلدية، بجانب حطب الحريق المنهوب من غابة السنط بالخرطوم، والنصيب الأكبر من حصيلة بيع الخبز يستلمه قلة من أفراد المليشيا ولا يعطون عمال المخابز سوى الفتات وأحيانا لا يعطونهم سوي قطعا من الخبز صغير الحجم خفيف الوزن”.

نواصل