
ثنائية النيل ورباعية البحر الأحمر..نحو حلف الأمن المائي الجديد(2-2)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*تمثل الانقسامات السياسية وتعدد مراكز النفوذ أحد أبرز مصادر الهشاشة التي قد تؤثر على تماسك أي منظومة تعاون إقليمي، الأمر الذي يجعل من دعم مسارات الحوار وتعزيز مؤسسات الدولة الصومالية وبناء التفاهمات بين مختلف المكونات ضرورة استراتيجية لتقريب الرؤى وتنسيق المصالح، بما يسهم في خلق بيئة أكثر استقراراً وانسجاماً قادرة على التفاعل الإيجابي مع أي إطار تعاون إقليمي، ويحول دون تحول الإقليم إلى نقطة هشاشة أو مجال تنافس خارجي يؤثر على تماسك الحلف واستدامته.
*وكقراءة مبسطة لتفاعلات القوى الإقليمية و الدولية، نجد أن تركيا تسعى إلى ترسيخ حضورها عبر أدوات القوة الناعمة والاستثمارات والبنية العسكرية، مستندة إلى عمقها التاريخي وعلاقاتها المتشعبة في القرن الإفريقي.
*في حين ان قطر تعتمد على أدوات الوساطة والدبلوماسية الاقتصادية، مع حضور إعلامي مؤثر يساهم في تشكيل التوازنات السياسية
اما إيران فتركز على توسيع نفوذها عبر أدوات غير مباشرة، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية في بعض مناطق الإقليم معتمدة على أذرعها الاقليمية من الجماعات الشيعية كالحوثيين في منطقة اليمن.
*وكذلك فإن الإمارات ومع تزايد حضورها الاقتصادي والاستثماري في الموانئ والبنية التحتية، فقد أصبحت أدوارها الأمنية والعسكرية محل نقاش إقليمي متباين حول طبيعة تأثيره على توازنات المنطقة
وظلت إسرائيل تسعى و بشكل مستمر لتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي في البحر الأحمر ضمن استراتيجية أوسع لحماية خطوط الملاحة والتوازنات الإقليمية.
*وأخيرًا فإن الولايات المتحدة، ظلت و عبر استراتيجية امن قومي خاصة بالمنطقة، تركز على ضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات الاستراتيجية، والحفاظ على توازن القوى بما يخدم مصالحها العالمية
يقوم الحلف المقترح على قاعدة واضحة مفادها أن التحالفات المستدامة لا تُبنى على ردود الفعل أو التهديدات المؤقتة، بل على منظومة مصالح متكاملة سياسية واقتصادية وأمنية، تحقق منفعة متبادلة وتضمن استقراراً طويل الأمد.
*ويبدأ الحلف بالدول الجاهزة سياسياً واستراتيجياً، ثم يتوسع تدريجياً ليضم شركاء آخرين من أصحاب المصلحة، وفق معايير واضحة تقوم على الإرادة السياسية والاستقلال في القرار
ولكي يتحول الحلف من إطار تصوري إلى منظومة فاعلة، فإنه يحتاج إلى بنية قانونية ومؤسسية متماسكة تقوم على ميثاق تأسيسي يحدد الأهداف والمبادئ وآليات العمل، ويؤسس لمجلس أعلى للتنسيق الاستراتيجي، وأمانة فنية دائمة، وأطر قطاعية للتعاون في مجالات الأمن البحري وإدارة الموارد المائية والتكامل الاقتصادي.. ومن شأن هذا الإطار المؤسسي أن يوفر آلية لاتخاذ القرار المشترك وتسوية الخلافات وتعزيز الشفافية، بما يضمن استدامة الحلف ويحول دون تأثره بالتغيرات السياسية الظرفية.
*يمكن للحلف أن يشكل إطاراً لإعادة التوازن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر تمكين دول الإقليم من إدارة أمنها الجماعي، وتعزيز قدرتها على فرض معادلة نفوذ قائمة على المصالح المشتركة، بما يحد من التدخلات الخارجية غير المتوازنة.
*كما يمكن أن يستفيد الحلف من الميزات النسبية لكل دولة؛ من حيث:
القوة المالية والاقتصادية
الموقع الجغرافي الاستراتيجي
القدرات العسكرية والأمنية
النفوذ السياسي والدبلوماسي
الموارد الطبيعية والبشرية
*إن الهدف الاستراتيجي النهائي للحلف يتمثل في تحويل البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي إلى فضاء للاستقرار والتنمية، بحيث يصبح البحر الأحمر بحيرة سلام وممراً للتنمية والتكامل الاقتصادي، بدلاً من أن يكون ساحة صراع مفتوحة. ويشمل ذلك:
تطوير البنية التحتية البحرية واللوجستية
تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري
حماية الموارد الطبيعية
بناء منظومة أمن بحري مشتركة
إنشاء مشاريع تنموية عابرة للحدود
*إن ثنائية النيل ورباعية البحر الأحمر ليست مجرد تصور نظري، بل تعبير عن حقيقة جيوسياسية تفرضها طبيعة الإقليم وتحدياته المتشابكة، حيث لا يمكن فصل أمن المياه عن أمن البحار، ولا الاستقرار الاقتصادي عن التوازن الأمني.
*إن تأسيس حلف الأمن المائي الجديد يمثل خطوة نحو إعادة تعريف معادلة القوة في المنطقة، على أساس الشراكة لا التبعية، والمصالح المشتركة لا الاصطفافات المؤقتة، بما يتيح لدول الإقليم أن تنتقل من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ومن ساحة التنافس إلى فضاء التعاون.
*فحين يدرك أصحاب المصلحة الحقيقيون أن أمنهم لا يُستورد، وأن استقرارهم لا يُبنى إلا بإرادتهم المشتركة، يصبح البحر الأحمر جسراً للتكامل، ويغدو النيل رافعة للتنمية، ويتحول الإقليم بأكمله إلى فضاء سلام واستقرار وازدهار. وعليه فإن اللحظة الجيوسياسية الحالية وما يتداعى من احداث؛ قد يكون الفرصة التاريخية الأخيرة لبناء منظومة أمن إقليمي من داخل الإقليم قد لا تتكرر على المدى القريب.