آخر الأخبار

السودان في مرمى العاصفة..من ساحة عمليات إلى معركة وجود

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور مزمل سليمان حمد    

 

*منذ اندلاع حرب الكرامة في أبريل 2023م، عقب تمرد قوات الدعم السريع، لم تعد المعركة مجرد صراع داخلي على السلطة أو النفوذ، بل أخذت أبعادًا أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها العوامل الإقليمية والدولية، وتتشابك فيها حسابات الجغرافيا السياسية مع هشاشة البنية الداخلية للدولة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة التدخلات الخارجية، وحدودها، وأهدافها، وفي مقدمتها الدور الذي يمكن أن تلعبه أجهزة استخباراتية مثل الموساد في بيئة مضطربة كساحة السودان.

*إن القراءة المتأنية لما ورد في بعض الإصدارات الحديثة حول العمليات السرية الإسرائيلية في السودان تكشف أن الاهتمام بهذا البلد ليس طارئًا، بل يمتد لعقود طويلة. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، أدركت المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية أن السودان ليس مجرد دولة بعيدة جغرافيًا عن مركز الصراع العربي الإسرائيلي، بل هو نقطة ارتكاز استراتيجية تربط المشرق العربي بعمقه الإفريقي، وتطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو البحر الأحمر. ومن هنا، تحوّل السودان في العقيدة العملياتية الإسرائيلية من دولة مواجهة إلى ساحة عمليات مفتوحة، يمكن العمل داخلها بهدوء، وعلى مدى زمني طويل.

*واحدة من أبرز العمليات التي يكشف عنها ذلك الأدب الاستخباراتي هي عملية تهجير يهود الفلاشا الإثيوبيين، والتي عُرفت عالميًا باسم عملية موسى. في تلك العملية، أنشأ الموساد غطاءً مدنيًا معقدًا تمثل في شركة سياحية وهمية، واستأجر منتجعًا مهجورًا على الساحل السوداني للبحر الأحمر عُرف باسم (قرية عروس).. وتحت ستار النشاط السياحي وتدريب الغوص، كان العملاء يديرون واحدة من أكثر العمليات سرية وتعقيدًا، حيث يتم استقبال مجموعات الفلاشا الذين يصلون سيرًا عبر الصحراء، ثم نقلهم ليلًا إلى الساحل، ومن هناك إلى سفن عسكرية في عرض البحر. والمثير في هذه العملية ليس فقط جرأتها، بل قدرتها على الاستمرار لسنوات دون أن تُكشف، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول كفاءة المنظومة الأمنية في ذلك الوقت.

*ومع التحولات التي شهدتها المنطقة في تسعينيات القرن الماضي، تغيّر نمط النشاط الإسرائيلي في السودان من الطابع الإنساني-الاستخباراتي إلى الطابع العسكري المباشر. فقد أصبح السودان، بحكم موقعه، ممرًا لوجستيًا لإمدادات حركات المقاومة في المنطقة، الأمر الذي جعله هدفًا لعمليات نوعية، من بينها قصف مجمع اليرموك للصناعات العسكرية، والذي نُفذ بقدرات تقنية عالية، تضمنت التشويش على أنظمة الرادار واختراق المجال الجوي والانسحاب دون اعتراض. كما شملت العمليات استهداف قوافل في شرق البلاد، اعتمادًا على مزيج من المعلومات الاستخباراتية البشرية (شبكات مخبرين) والتقنيات الفضائية المتقدمة.

*غير أن الخلاصة الأكثر أهمية، والتي تفرض نفسها بقوة في سياق حرب الكرامة الراهنة، هي أن هذه النجاحات لم تكن قائمة فقط على تفوق تقني أو قدرات خارقة، بل اعتمدت بدرجة كبيرة على ثغرات داخلية: ضعف التنسيق بين الأجهزة، تفشي الفساد، والاستنزاف الناتج عن الصراعات الداخلية. هذه العوامل مجتمعة جعلت من السودان، في نظر بعض الدوائر الاستخباراتية، “مختبرًا” لتطوير نظريات العمل في الدول الهشة، حيث يمكن تحويل نقاط الضعف البنيوية إلى أدوات فعالة للاختراق والتأثير.

*اليوم، ومع اشتعال الحرب في الداخل، تعود هذه المعطيات لتفرض نفسها من جديد. فالدولة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية، وتُستنزف مؤسساتها، تصبح أكثر عرضة ليس فقط للتدخل، بل لإعادة التشكيل وفق مصالح الآخرين. وهنا لا يعود الحديث عن (نظرية مؤامرة) بقدر ما هو قراءة في سنن السياسة الدولية، حيث لا تترك الفراغات دون أن تُملأ، ولا تُهدر الفرص في بيئات مضطربة.

*وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور بعض الأصوات الداخلية التي، عن قصد أو عن غفلة، تسهم في تعميق الأزمة عبر بث خطاب إعلامي مضلل، يتجاهل حقائق ما يجري على الأرض، ويغض الطرف عن حجم التهديد الذي تمثله المليشيا المتمردة. ففي الوقت الذي تبذل فيه القوات المسلحة السودانية جهودًا كبيرة لحماية الدولة ومؤسساتها ومواجهة التمرد، ينشغل بعض أبناء الوطن بتقويض هذه الجهود عبر حملات تشكيك وإرباك للرأي العام، وهو مسلك لا يضر بمؤسسة بعينها بقدر ما يضر بوطن كامل. إن الاختلاف في الرأي مشروع، بل ومطلوب، لكن تحويله إلى أداة لهدم الدولة أو إضعافها في لحظة وجودية حرجة، هو أمر يستدعي وقفة صادقة ومراجعة مسؤولة. فالسودان يتسع للجميع، لكنه لا يحتمل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات على حساب بقائه واستقراره.

*إن استهداف السودان، في هذا السياق، لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه نتيجة لقرارات خارجية، بل أيضًا كنتيجة لواقع داخلي سمح بتعاظم هذه التدخلات. فالحرب التي تدور اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي معركة على بقاء الدولة نفسها، وعلى قدرتها في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها.

*ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حسم المعركة ميدانيًا، بل في استعادة تماسك الدولة، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود، وإغلاق الثغرات التي طالما استُغلت. كما أن اللحظة الراهنة تفرض على السودانيين، بمختلف انتماءاتهم، أن يدركوا أن الانقسام الداخلي هو المدخل الأوسع لكل تدخل خارجي، وأن وحدة الصف ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا

*إن الطريق إلى المستقبل لا يُبنى فقط بإيقاف الحرب، بل بمعالجة جذورها، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس من العدالة والكفاءة والشفافية. فالدول لا تُستهدف لأنها ضعيفة فقط، بل لأنها لم تُحصّن نفسها بما يكفي.

*وفي خضم هذه العاصفة، يبقى الأمل معقودًا على وعي السودانيين بحجم التحدي، وإدراكهم أن معركتهم الحقيقية ليست فقط ضد التمرد، بل ضد كل ما يجعل بلادهم ساحة مفتوحة للآخرين.. فإما أن يكون السودان دولة تُدير شؤونها بإرادة أبنائها، أو ساحة تُدار فيها الصراعات بالوكالة.

والخيار… لا يزال بأيدينا.