آخر الأخبار

حروب بلا جبهات… حين تتحول الطاقة إلى سلاح جيوسياسي

 

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

*لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس بعدد الدبابات أو خطوط التماس، بل بمدى القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الطاقة.. ففي الألفية الثالثة، برز نمط جديد من الصراعات يمكن وصفه بـ(حروب بلا جبهات)، حيث تُستخدم الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط والغاز، كأدوات ردع وضغط تحقق أهدافًا سياسية دون مواجهة تقليدية مباشرة.

*في هذا السياق، تتصدر الولايات المتحدة مشهد إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية، عبر توظيف الطاقة كسلاح جيوسياسي يحقق لها تفوقًا استراتيجيًا. فبدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة، تعتمد على استراتيجيات تستهدف إضعاف خصومها اقتصاديًا، من خلال التأثير على قدرتهم في الإنتاج والتصدير. ويبرز هذا النهج في التعامل مع إيران، حيث تُمارس ضغوط متعددة لتقييد دورها في سوق الطاقة، بما ينعكس على شبكة علاقاتها الدولية.

*غير أن ما شهدته التطورات الأخيرة كشف عن الوجه الآخر لهذه المعادلة؛ إذ أثبتت إيران أنها قادرة أيضًا على توظيف الطاقة كسلاح ردع غير مباشر، ولكن بأسلوب مغاير.. فقد أدى التصعيد الأخير إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم، وهو ما أحدث اختناقًا فوريًا في إمدادات الطاقة العالمية.. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد ليشمل استهداف مراكز حيوية لإنتاج وتخزين الطاقة في السعودية ودول الخليج، إضافة إلى الكويت والعراق، ما ضاعف من حدة الأزمة.

*هذه التطورات لم تكن مجرد أحداث عسكرية معزولة، بل شكلت تحولًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك، حيث انتقلت المعركة إلى عمق الاقتصاد العالمي.. فقد أدى تعطيل الإمدادات واستهداف البنية التحتية للطاقة إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز، ما انعكس بشكل مباشر على الأسواق الدولية، وأدخل الاقتصاد العالمي في حالة من عدم اليقين.

*الأثر لم يقتصر على الدول المنتجة، بل امتد إلى قوى كبرى مثل الصين وروسيا، اللتين تعتمد مصالحهما بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة. فارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات يضع هذه القوى أمام تحديات اقتصادية معقدة، ويؤثر على مشاريع استراتيجية مثل مبادرة الحزام والطريق، التي تعتمد على تدفق مستقر للطاقة والتجارة.

*وفي أوروبا، التي لا تزال تعاني من تداعيات الحرب في أوكرانيا، جاء هذا التصعيد ليزيد من تعقيد المشهد. فقد وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام أزمة مزدوجة: نقص في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار، ما أعاد طرح تساؤلات حول أمن الطاقة وضرورة تنويع مصادرها.

*تكشف هذه التطورات أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت سلاحًا جيوسياسيًا بامتياز، يمكن من خلاله تحقيق تأثيرات تعادل – بل تفوق – نتائج الحروب التقليدية.. كما تؤكد أن استراتيجيات الردع غير المباشر لم تعد حكرًا على القوى الكبرى، بل باتت أداة متاحة أيضًا للقوى الإقليمية القادرة على التأثير في نقاط الاختناق الاستراتيجية.

*ورغم ما قد تحققه هذه السياسات من مكاسب آنية، إلا أن تداعياتها بعيدة المدى تظل محفوفة بالمخاطر. فالتصعيد في استخدام الطاقة كسلاح قد يدفع العالم إلى تسريع التحول نحو بدائل أخرى، كما قد يعزز من توجه الدول إلى بناء تحالفات جديدة تقلل من هشاشة الاعتماد على ممرات أو مصادر محددة.

*في المحصلة، تعكس (حروب بلا جبهات) واقعًا دوليًا جديدًا، حيث لم تعد السيطرة تُمارس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر التحكم في تدفقات الطاقة والأسواق.. ومع تصاعد هذه الديناميكيات، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، وتصبح فيها كل أزمة طاقة شرارة محتملة لإعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله.