آخر الأخبار

ارتفاع الأسعار… خراف العيد حكاية اقتصاد لا شعيرة

نهر النيل – زلال الحسين:
في جولة (أصداء سودانية) بأسواق المواشي خاصة وأن كل عامٍ في هذا الوقت، يتحول سوق المواشي إلى مرآةٍ تعكس حال البلد.. فقبل أن تصدح تكبيرات العيد، تصدح أصوات الباعة بالأرقام، ويصبح (الخروف) أكثر من مجرد أضحية… يصبح حديث البيوت، وهمّ الأب، وموضوع المجلس.
هذا العام، ارتفعت أسعار الخراف ارتفاعاً جعل كثيرين يقفون أمام الحظيرة كمن يقف أمام امتحان عسير.. الخروف الذي كان يُقتنى بمبلغٍ معقول، صار يحتاج إلى ميزانيةٍ مستقلة.. والسبب لا يخفى على أحد: تراجع العرض، غلاء الأعلاف، تعب النقل، وتآكل القدرة الشرائية.
لكن خلف الأرقام، هناك وجوه.. هناك رجلٌ يحسبها بالمليم، فيقول لنفسه: أضحي بالخروف، أم أبقي المبلغ لأدوية أمي؟.. وهناك أمٌّ تطمئن صغارها: (السنة الجاية إن شاء الله)، وهي تعلم أن (السنة الجاية) صارت أمنية مؤجلة. وهناك شابٌ يحلم بأن يُدخل الفرحة على بيت أهله، فيعود من السوق مكسور الخاطر، يحمل بدل الخروف كيلو لحمةٍ بالكاد تكفي يوم العيد.
المفارقة أن الشعيرة واحدة، لكن الظروف تصنع منها قصصاً مختلفة. فمن يستطيع، يذبح ويتصدق ويفرح. ومن لا يستطيع، يذبح قلبه بصمت، ويستبدل الأضحية بدعاءٍ أن يتقبل الله النية.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من طرافة سودانية أصيلة.. تسمع النكات في السوق: (الخروف بقى بيستقبل ضيوفو في الصالة)، و(لو الخروف سمع سعرو، حيهرب براهو).. الضحكة هنا ليست استخفافاً، بل حيلةٌ نفسية لمواجهة ضيق الحال. فالسوداني يعرف كيف يصنع من الضيق فسحة، ومن الغلاء قصةً تُروى.
ارتفاع أسعار الخراف ليس مجرد خبرٍ اقتصادي يُكتب في زاويةٍ من الجريدة. هو مشهدٌ إنساني كامل بين العجز والرضا، بين الواجب والاستطاعة.