المحبوب عبدالسلام(2) :أكبر فشل يحسب على الانقاذ هو فشلها في إدارة التعدد
- منصور خالد وصف دستور 1998م الذي كتبه الترابي بأنه ثورة في الإسلام السياسي السوداني
- أنا لم أخرج سرا ولا صامتاً من الحركة الإسلامية كتبت ونشرت نقدا لتجربة المؤتمر الشعبي وتجربة الإسلام السياسي
- أنا منفتح ودرست في بلد منفتح لذلك تنوعت لدي التجربة والعلاقات الإنسانية
- استمرار تجربة الانقاذ لمدة 30 عاما هذا في حد ذاته نجاح
حوار صلاح عمر الشيخ :
*منذ عام 1986 كانت هناك أحزاب تريد أن تلغي الشريعة.. إلى ماذا تعزو صمود التشريعات الإسلامية حتى في نيفاشا؟
-عندما تمت تهيئة الناس للإنقاذ والاطاحة بالاحزاب التي تريد الغاء الشريعة، تمت التهيئة بثورة المصاحف ، لذلك تعذر على اهل الانقاذ ان يذهبوا الى نيفاشا لتوقيع إعلان مبادئ يلغي القوانين الاسلامية، كانت الحركات الجنوبية تطرح خيارين اما ان نذهب الى تقرير المصير او تلغى هذه القوانين ولم نستطع مواجهة الرأي العام باجتهاد يتجاوز هذه القوانين ،مثلا في ايران يقولون ان السارق لا تقطع يده ولكن يخضع الى تربية لان هنالك خللا في تربيته.. هذا تفكير معاصر لا علاقة له بالقرآن والشرع، الذي يقر قطع يد السارق، هذا الامر على نقيض ما فصله الفقهاء وتبلور منذ القرن الرابع الهجري، الغرب لم يعد ينظر إلى الدين بهذه الطريقة ، وفي حالة الضعف الحضاري الناس يعتقدون انهم مقلدون للغرب الذي يتآمر حضاريا وسياسيا عليهم.
*لكن من قبل تطبيق الشريعة الاسلامية كانت كل الدساتير التي وضعت في السودان تنص على ان مصادر التشريع هي الشريعة الاسلامية و الاعراف وما يؤمن به الآخرون حتى قبل تطبيق الشريعة الاسلامية؟

– منصور خالد ذكر ان دستور 1998م الذي كتبه الترابي، ووصفه بأنه ثورة في الاسلام السياسي السوداني لأن الترابي لم ينص فيه على ان الاسلام دين الدولة بل جعل الاجماع واحدا من مصادر التشريع ولم يكتب ان رئيس الدولة لابد ان يكون مسلماً، لذلك انتقد من قبل المدارس السلفية.. لقد كان تحولا كبيرا مواكبا مع روح الدولة الحديثة, ان تكتب دستورا في دولة اسلامية ولا تنص على ان الشريعة هي المصدر الوحيد ولا تنص على ان دين الدولة هو الاسلام ، فأنت بهذا تغلق الطريق امام الذين يتطلعون من الاديان الأخرى و لو في المستقبل بنص واضح ، والترابي قام بهذا الاجتهاد لانه واع بتحديات السودان، وأكبر فشل يحسب على الانقاذ- برأيي- هو فشلها في ادارة التعدد والافادة من التنوع في البيئة السودانية، وهم كانوا بداية يريدون ان يحشروا الناس في تنظيم المؤتمر الوطني وكان هناك نظام المؤتمرات الشورية وبحلول عام 98 نضجت ولذلك ما كانت تريد ان تحشر الناس في فكر واحد وطرحت حريات جيدة، صحيح لم تكن الأفضل ولكنها خطوة جيدة في بلد يتدرج نحو الديمقراطية كما تفعل الآن بعض الدول من حولنا في افريقيا مثل كينيا وبورندي و بنين تخطئ وتتدرج وتحاول ان تقدم انموذجا أفضل للديمقراطية ونجاح الحكم في المجتمع المعاصر يقاس بالديمقراطية وليس بشئ آخر.
*يا دكتور انت كنت واحدا من قيادات الحركة الإسلامية وواحدا من الذين وضعوا مبادئها وأسسها ولكنك خرجت فجأة وبدأت تسري الإشاعات من حولك .. لماذا خرجت وكيف خرجت ؟ كيف ترد على هذه الاسئلة ؟
-أنا ما خرجت سرا ولا صامتاً.. كتبت حوالي 60 صفحة، اسميتها (مقدمات) ونشرتها وقدمت فيها نقدا لتجربة المؤتمر الشعبي وتجربة الإسلام السياسي.
*كثير من الناس يطرحون هذا التساؤل ماذا جرى لك فقد كنت تلميذا نجيبا في مدرسة الترابي؟

-نعم كنت تلميذا ولكني تخرجت من هذه المدرسة.. وكثيرون يخرجون من مدارسهم الفكرية ويمكن ان يضيفوا لها وللمناهج التي كانوا جزءا منها سيما وقد نضجت الفكرة بعدما انفتحنا على مصادر اكثر مما انفتحت عليه الاجيال الأخرى ..خاصة وقد كان هناك فشل و أزمات اعترت التجربة يقتضي بل يجب ان يكون هناك تفكير طبيعي ، ينحو منحى جذريا ، هذا المنحى هو ما يستعصي على كثير من الناس ولذلك لن تجد رفاقا كثيرين في هذا الطريق الذي اعتقد انه المنهج الصحيح.
*تفسيرات كتيرة تقول بأنك أصبحت أكثر إنفتاحا ولك صداقات جديدة وربما لقاءات مع قيادات اخرى غير إسلامية وانك أصبحت أقرب الى (القحاتة) بل صرت علمانياً ؟
-أنا منفتح من أول يوم ومنذ ان كنت في الثانوي والجامعة وعندي علاقات معروفة بصلاح أحمد إبراهيم والطيب صالح و محمد المكي إبراهيم وأنا مهتم وافخر بمعرفتي للادباء والمفكرين وليس السياسيين ، ولأنني منفتح ودرست في بلد منفتح ونشأت في مدينة منفتحة مثل فرنسا تنوعت لدي التجربة والعلاقات الإنسانية.. هذه اشياء ينبغي ان تحسب لك وليس عليك، وفي تجربتي الشخصية هذه ليست شيئا جديدا فقد كان امرا معروفا ، اذا الاسلاميين اجتمعوا ووجدوا بينهم شخصا غريبا ففي الغالب يقولون هذا الشخص بالتاكيد جاء مع المحبوب و هولاء الاشخاص ربما كان بعضهم يساريا ،ربما التطور الفكري جعل الصلات والتفاهم أفضل وهذا لمصلحة المجتمع التدابر والتنافر والاقصاء هو ما قادنا الى الحرب، اذا كان هناك تباينا وانقساما شديدا في المجتمع ووجدت شخصا يسعى بين هذا الانقسام فهذه محمدة له ، العلمانية مسألة معقدة وليست بالبساطة التى نتحدث عنها في إطار الدعاية السياسية، ونحن في إعلام الحركة الاسلامية ننظر إلى العلمانية كشر مطلق ولكنها ليست شرا مطلقا، واحدة من سمات القرن العشرين هي العلمانية وأرى انها تناسبنا.. وهي برأي كثيرين أفضل صيغة لقيادة مجتمع فيه أكثرية مسلمة وفيه تنوع ومسيحيون وغيرهم.
في اول اجتماع للجنة الدستور بعد الاستقلال كانت هناك ثلاثة مقترحات.. نائب من الحزب الاتحادي اقترح ان يكون الدستور ديمقراطيا.. بينما نائب جنوبي أخر اقترح ان يكون الدستور ديمقراطياً فدرالياً ، وكان هنالك نائب اسلامي اقترح ان يكون الدستور اسلامياً ومن يومها حصل انشقاق ومباينة في الجماعة الوطنية السودانية.. والي العام1981وبعد تطبيق الشريعة والمرحلة الاولى من حكم نميري وعندما حصلت الانتفاضة عام 1985 الجبهة الاسلامية كانت محاصرة ومعزولة تماما وقد استطعنا ان نكسر هذا الحصار بتكاملنا مع المجتمع ككل ولكن استمرت المفاصلة السياسية ، إلى ان انتهت الى حرب.. نحن أحوج ما نكون إلى تقبل الآخر في بلد مأزوم مثل السودان
*تجربتك في الانقاذ كانت مبكرة وعندك فيها سهم كبير.. أين نجحت واين فشلت .. ماهو الخطأ والصواب برأيك؟
-استمرار تجربة الانقاذ لمدة 30 عاما هذا في حد ذاته نجاح، يطرح سؤالا كيف استمرت هذه السنوات الطويلة؟
صحيح كانت هناك انجازات مادية و اخفاقات ايضا.. عملت بنية تحتية طرقا وسدودا وغيرها وما افلحت في مجال التعليم الموضوع الرئيسي.. وايضا كان هناك تناقض في الانقاذ يتمثل في وجود شيخ للحركة بجانب رئيس جمهورية ومثل هذا التناقض لا يمكن ان يستمر في دولة حديثة لانه حتما يؤدي الى صدام ومفاصلة وهذا ماحدث ، هذه الروح التنظيمية الطائفية أدت الى حدوث مفاصلة، سببها قيام مؤسسات موازية ، من دون مؤسسية لا تقوم دولة حديثة ، وكان هناك ضعف مؤسسي ، وكان هناك مفهوم بأن هذا الشخص الاسلامي او ذاك بذل فيه جهد ولا يتيسر أن تتم محاسبته او تغييره وهذا ادى بدوره لاشكالات كبيرة ، وكثير من القوانين لم نعمل بها والدستور الذي كتبناه لم نلتزم به وهذا ادى الى صدام و مفارقات وقاد لانهيار التجربة، ولم يكن مناسبا في حركة اسلامية ان يحكم فيها فرد دورة بعد دورة بعد دورة ، وهي التي كانت تنظم انتخابات بأحدث الطرق، والأمين العام للحركة كان يجب ان يتغير بعد دورة او دورتين ويترك المجال للآخرين.