
يوميات لاجئ عائد (2)
يرويها عنه وعن آخرين/ خليفة حسن بلة
(1)
استيقظنا صباح 15 أبريل 2023م.. بدأنا مطاردة الأخبار في مظانها التي كنا نظنها ستأتينا بالخبر اليقين..
ما رشح منها لاحقا تبيّن بما لا يدع مجالا للشك أن بعضها _ فضائيات، منصات وصفحات على السوشيال ميديا _ أنما كانت بعض أسلحة الحرب..كنت أتساءل _ سرا طبعا حتى لا أتهم بالغباء_ أن: (لماذا لا نجعل هذه الوسائط شريكا أصيلا في إتهام إطلاق الرصاصة الأولى إن لم تك هي فعلا من أطلقها؟)..
ما حدث حوّلني من مواطن زائر الى لاجئ.. وهذا عين ما حدث لكل سوداني خارج بلده خلال هذه الفترة أو خرج بعدها..كنا نحن لاجئو مصر أفضل بكثير جدا من حال زملائنا من لجأوا لدول عربية وإفريقية..سأعود لاحقا بشئ من التفصيل ..لكنني أستأذنكم لبدء تفاصيل عودتي بعد غياب 932 يومًا، نعم بعد سنتين و6 شهور و20 يوما.. يا الله كيف أمضينا كل هذا العمر هكذا !!
جئتها في أبريل 2023 والجنيه المصري يعادل 15 جنيها سودانيا.. تضاعف سعر المصري لأربعة أضعاف.. أغادر الآن والجنيه المصري يعادل 63 جنيها سودانيا…!!
(2)
برا الى جنوب مصر ثم للسودان ..

المفارقة الأولى تتعلق بما أحمل في رحلتي..فقد انقلبت الآية..تذكرون حقائبي عند قدومي للقاهرة؟ كانت حقيبة صغيرة لملابسي والكبرى مواد غذائية. الآن أغادر بحقيبة ظهر لا تزن أكثر من 4 كيلو هي ملابسي وأغراضي الشخصية..وحقيبة تزن حوالى 26 كيلو تحتوى على مواد غذائية وأدوية وملابس.. كنت سألت من أقصدهم : (دايرين شنو من هنا أجيبو معاي؟)..طلبوا بعض أدوية ومستلزمات طبية للاستعمال الشخصي.. لكن من ما رشح عبر السوشيال ميديا تدارسنا حول ما نعتقد أن حاجة الناس لمواد غذائية ماسة تتطلب مننا حملها.. ليس من عدم أو بسبب المجاعة المزعومة ..لا بل بسبب الغلاء الذي تضج به الأسافير..وهذا ما سأستقصى عن حقيقته وأسبابه.. التي أرجو أن تكون مجرد حرب نفسية تطلق ضمن الحرب على السودان للتقليل من انتصارات قواته على الأعداء..
(3)

أسوان تستقبلنا بحرارة تجاوزت ال47 درجة.. شوارعها نهارا بلا حركة.. ومساءاتها تضج بالحياة .. الناس فيها ودودون والمزاج سوداني.. لابد أن تتناهى الى مسامعك أغنيات سودانية بأصوات لفنانين من المنطقة..يبدو أن أحدهم متخصص في أغنيات كابلي.. كنا في تاكسي مع سائقه أشرف استمعنا اليه:بدأ ب(يا قمر دورين) ثم(حسنك فاح مشاعر) و(يا حلو) و مع بداية ترديده ل(زينة وعاجباني) كنا قد وصلنا مقصدنا..
(4)

سودانيون كثر استقروا في أسوان وقرى حولها..كل من سألتهم عن انطباعهم فيها شكروا حالهم وحسن تعامل أهلها معهم..
عبدالكريم وهو من مواطني ولاية الجزيرة قال لي: (كنت قاصد القاهرة لكن الأيام القضيناها في أسوان شعرنا كأننا في السودان فقررنا نبقى فيها ..والله يا أستاذ حامدين شاكرين).. عبدالكريم أكمل العام الثاني هنا ولم يزر القاهرة إلا لمرتين فقط ولواجب عزاء.. أفادني أن الايجارات تتراوح بين 5 ألف مصري الى 7 ألف للشقق المفروشة في مناطق ممتازة.. ودون ذلك تجد أقل من ألف جنيه..
(5)
من أسوان إلى كركر الذي هو ميناء بري للسفريات الداخلية.. الطريق إليه يستغرق اقل من نصف ساعة .. كان تصوري له أنه يشبه الميناء البري الخرطوم.. زحمة وضجيج باعة و(مقابضة) سماسرة التذاكر..دخلناه في السادسة صباحا.. لكنني تفاجأت..
وهذا ما سأرويه في الحلقة القادمة وكيف نجونا من موت محقق..
نواصل بإذن الله..