الممرضون والممرضات.. (ملائكة رحمة) ام (ملائكة عذاب)؟(2)
التحقيق التالي يحاول الإجابة على هذا السؤال
- ممرضات: لا تظلموا كادر التمريض فهم يعملون في ظروف صعبة وبيئة متدنية
- ممرض بالمعاش: يجب عدم وضع اللوم في تدهور مهنة التمريض على الممرضين والممرضان فقط
- وزارة الصحة: 38 ألف العجز في كوادر التمريض.. والسبب توقف مدارس التمريض
تحقيق ــ التاج عثمان:
كانت مهنة التمريض في السابق من أرفع المهن في السودان ينظر إليها بالكثير من التجلة والإحترام لدرجة أطلق على العاملين فيها من ممرضين وممرضات بـلقب (ملائكة الرحمة).. لكن للأسف خلال السنوات الماضية قبل الحرب ــ حتى لا نضع الحرب شماعة ــ تغير مفهومها كثيرا وأصبح ينظر إليها البعض بشئ من الإستخفاف والذي يصل لمرحلة الإزدراء والإستهجان خاصة بعض الممرضين والممرضات الذين يعملون ببعض المستشفيات الحكومية والذين وصفهم البعض بـ(ملائكة العذاب) وليس (ملائكة الرحمة) لتصرفات خاطئة كثيرة يرون أنها تبدر منهم.. فهل ذلك ينطبق عليهم فعلا؟.. وما هي الأسباب والعوامل التي تسببت في تدني مهنة التمريض في السودان والذي كان رائدا في هذا المجال على كل الدول العربية والأفريقية؟.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية المهمة من كافة جوانبها وأبعادها ونهدف في النهاية وضع الأسس لترقية هذه المهنة الإنسانية المهمة.
تفاعل القراء:
عقب نشر الحلقة الأولى من التحقيق وصلتني رسائل كثيرة من القراء يؤكدون فيها تدني مهنة التمريض والذي وصل لدرجة (الإهمال الخطر)، والذي يتمثل ــ حسب قولهم ــ بعدم متابعة بعض الممرضات والممرضين لجرعات المرضى العلاجية وتقديمها لهم في الوقت المحدد من الطبيب.. والأخطر عدم متابعة الممرضة للدرب ولولا تدخل المرافق بسحب الدرب لحدث ما لا يحمد عقباه.. كما يشكو بعض مرافقي المرضى من العنف اللفظي الذي يبدر من بعض الممرضين والممرضات تجاه المرضى والمرافقين، وعدم الإستجابة لإحتياجات المرضى الذين ليس معهم مرافقين.. وحتى لو تقدم المرافق او المريض نفسه بشكوى من مثل هذه السلبيات فلا يهتم بشكواهم أحد من المسئولين بالمستشفى، ولا يعيرونها إهتماما يذكر.. علما ان اللوائح الصحية تنص على فرض عقوبات على كادر التمريض المهمل للمرضى، يتمثل في الغرامة المالية ودفع الممرض او الممرضة تعويض مالي للمريض، او العقوبة التأديبية كالإيقاف من العمل لفترة مؤقتة من دون مرتب، اوإنزال الممرض المهمل او المخطيء لدرجة وظيفية أدنى، او الفصل من العمل نهائيا، وفي بعض حالات الإهمال الخطرة ببعض الدول العربية يمكن ان يواجه الممرض او الممرضة عقوبة السجن في حالات الإتهام الجنائي كالقتل الخطأ، او الإهمال الجسيم مثلا
الممرضات ينفين:

واجهت عدد من الممرضات بشكاوى المرضى السابقة تجاههن، إلا أنهن لم يستبعدن بعضها، وهي ليست عامة فمعظم الممرضين والممرضات يقومون بواجبهم مع المرضى المنومين داخل المستشفيات على الوجه الأكمل لكنها ليست حالة عامة بل قليلة، وهم يعزون سوء المعاملة مع المرضى للنقص الكبير في عدد الممرضين والممرضات بالمستشفيات مقابل تكدس المرضى بالمستشفيات المختلفة.. إحدى الممرضات قالت: لا تظلموا الممرضات فهن يعملن في ظروف غير مواتية وبيئة متدنية، وأحيانا نعمل أكثر من 18 ساعة يوميا.. كما ان هناك شريحة من المرضى تتعامل مع الكادر التمريضي بشيء من الإستخفاف والغلظة وتكثر مطالبتهم للممرضات حتى لأبسط الأشياء والتي لا تمت بعمل كادر التمريض بصلة.. وبما ان الصحيفة ركزت في التحقيق على فترة ما قبل الحرب، إلا أن وضع الممرضين والممرضات بعد إندلاع الحرب لا يطاق، فهناك كثيرات أصبحت يقمن إقامة دائمة داخل المستشفيات الحكومية القليلة التي لم تغلق أبوابها فتكدست بالمصابين جراء القتال، وذلك تضحية منهن لمعالجة المرضى ومعظمهم من ضحايا الرصاص والقذائف.
العصر الذهبي للتمريض:
ممرض بالمعاش إمتدت خبرته في مجال التمريض لأكثر من 30 سنة قضاها متنقلا بمستشفيات مختلفة داخل وخارج العاصمة، سألته عن واقع التمريض قديما وحالته الراهنة، ولا أقصد فترة ما بعد الحرب التي أطاحت بكل شيء سواء في الحقل الطبي او غيره.. أجاب مفضلا عدم الإشارة لإسمه مبررا: المهم ليس الإسم بل الوقائع التي سألتني عنها.. ثم قال
خلال السنوات السابقة وتحديدا منذ الأربعينات والخمسينات والستينات وحتى بداية التسعينات كان التمريض في السودان يعيش عصره الذهبي بحق وحقيقة، وكانت الدول العربية والافريقية تتهافت على كوادر التمريض السودانية للعمل بمستشفياتها للسمعة الممتازة التي كان يتحلى بها الممرضين والممرضات السودانيين، ولإهتمام بعض الحكومات السابقة بهذا القطاع الهام.. فقدامى الممرضات السودانيات يكفي انهم تدربن على التمريض على يد (أم الممرضات)، (خالدة زاهر سرور)، المولودة عام 1925، ودرست التمريض بمدرسة التمريض بالخرطوم، وتخرجت منها عام 1946، وكانت اول سودانية تعمل بالتمريض في المستشفيات الحكومية بالسودان، وتعد رائدة في مجال التمريض بالسودان.. اما اول ممرض سوداني فهو (بابكر بدري)، وكان من أوائل السودانيين الذين درسوا التمريض في مصر، وعاد بعد تخرجه ليعمل في السودان، واسهم مع زميلته (خالدة زاهر سرور) في تطوير مهنة التمريض في السودان وتعليم وتدريب الألاف من الممرضين والممرضات على أصول المهنة وخلق جيل وطني من كادر التمريض يتميز بالمهنية العالية وأصول وأساليب التعامل مع المرضى.. لدرجة ان الكادر التمريضي في تلك الحقبة كانوا بمثابة الساعد الأيمن للأطباء ولذلك كانوا يطلقون عليهم (ملائكة الرحمة)، وهذا اللقب لم يأتي من فراغ بل تجسيدا وتكريما من المجتمع السوداني للممرضين والممرضات لما كانوا يقومون به من أعمال إنسانية جليلة تجاه المرضى.
ويضيف: ولكن للأسف ومنذ منتصف التسعينات تقريبا بدأت مهنة التمريض تتراجع وتنزلق نحو الهاوية، وذلك لأسباب وعوامل عديدة منها على سبيل المثال: نقص وضآلة المرتبات، تدهوربيئة المستشفيات، إنعدام معينات العمل، حتى ان الممرضين والممرضات اليوم اصبحوا لا يرتدون الزي الأبيض الخاص بهم والذي كان يميزهم ويضفي عليهم هالة من الوقار والإحترام.. وهاجربعضهم للعمل بمستشفيات دول الخليج، ومن لم يهاجر غادر مهنة التمريض نهائيا ونزل سوق الله أكبر ما يمثل خسارة كبيرة للحقل الصحي نظرا لخبرتهم الطويلة في التمريض وتدريبهم المستمر.. وبالتالي حدث نقص في كادر التمريض بالمستشفيات الحكومية، وأدى ذلك لزيادة العبء على الممرضين والممرضات المتواجدين بالمستشفيات، والنقص في متابعة المرضى داخل العنابر، وتحملهم لأعباء إضافية فوق طاقتهم في العناية بالمرضى وإصابتهم بالإرهاق والذي قد يتسبب في بعض (الأخطاء التمريضية)، كإعطاء المريض دواء خاطي او حقنة خاطئة.. عموما يجب عدم وضع اللوم كله لتدهور مهنة التمريض في السودان على الممرضين والممرضات فقط، بل لإهمال الحكومات المتعاقبة لهذه المهنة الإنسانية الراقية.
نقص كادر التمريض:

حسب وزارة الصحة ولاية الخرطوم هناك عجز في كوادر التمريض بمستشفيات الولاية يصل إلى (38) ألف ممرضا وممرضة، ويعزى ذلك لتوقف مدارس التمريض لحوالي 10 سنوات وبالتالي عدم تخريج ممرضين وممرضات جدد، وبعد الحرب زاد عجز كادر التمريض كثيرا، لدرجة ان بعض المرافقين تطوعوا للقيام بالأعمال التمريضية البسيطة لمرضاهم بسبب النقص في كوادر التمريض.. بينما أوضح قطاع الموارد البشرية والبحوث بوزارة الصحة ان هناك عجز بنسبة (35) في المائة في كادر التمريض بالمستشفيات الحكومية.
أضف إلى ذلك، فإن معاناة كادر التمريض المتبقي حاليا يقابله نقص في الأجهزة الطبية، فقبل الحرب شاهدت بإحدى المراكز الصحية بمدينة بربر، قسم الطوارئ، توافد عشرات الأطفال على المركز الصحي تحملهم امهاتهم وهم في حالة صعوبة بالغة في التنفس ،وكانت الممرضة الوحيدة بقسم طواريء الأطفال تقوم في ظل وجود جهاز واحد للتنفس الصناعي الخاص بالأطفال بإستخدام الجهاز لفترة قصيرة غير كافية لتنقله لطفل آخر لإسعافه قبل ان تتفاقم حالته ويتوقف تنفسه نهائيا، كانت الممرضة تعمل بسرعة من دون كلل او ملل رغم كثرة الأطفال المصابون بضيق التنفس ونجحت في إنقاذ حياتهم جميعا.. وهذا مؤشر ان كوادر التمريض بالولايات يعملون في ظروف قاسية بسبب نقص الأجهزة، وان العيب ليس في كادر التمريض وحده بل في نقص الأجهزة والمعينات الطبية أيضا.