
صلاح الدين الفاضل رحيل النورس… محطاتي معه
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*جاءنا خبر رحيل القامة الإعلامية بروفيسير صلاح الدين الفاضل صباح يوم الجمعة مع بداية شهر شعبان والقاهرة التي فاضت فيها روحه الطاهرة تزدان أسواقها بفوانيس رمضان إستعداداً لإستقبال الشهر العظيم ولعلها من البشريات أن يلقي ربه في هذه الأيام المباركات بعد معاناة طويلة وإبتلاء بالمرض صبر عليه طويلاً وكان وهو بين ماكينة غسيل الكلي يقابلك بوجه صبوح وضاحك ونكتة لا تفارق شفتيه وبكلمات هادئة يعرفها جميع من تعامل معه أو إقترب منه.
*لم يكن الراحل مخرجاً إذاعياً فحسب رغم تفرده وتميزه في هذا الجانب الذي إعتمد فيه علي التذوق بالإذن وأحال نصوصاً ورقية كثيرة إلي مشاهد يتابعها المستمع بأذنية وكأنه يري شخوص العمل الدرامي أمام عينه ونموذج تحية وإحتراما كانت واحدة من الآلاف…لكنه أيضاُ تميز بالإبتكار والتجديد فكانت فترة المنوعات في برامج شهر رمضان بالإذاعة القومية والتي تستمر لأكثر من ثمان ساعات واحدة من إبداعاته.
*كانت إذاعة أم درمان هي بوابة المعرفة لكل أهل السودان وبتاريخها العريق إذ يتحلق أهل القري والبوادي حول المذياع قبل ظهور التلفزيون يستمعون لدكان والبصير والدهباية وخطوبة سهير وسائق تاكسي وسحر البيان وأوتار الليل ونشرات الثامنة مساء وبرنامج الرياضة الذي كان يتزامن مواعيد بثه مع صينية الغداء لكل أهل السودان قبل أن تتغير الساعة البيولوجية لأهل السودان وتختفي معها الكثير من المظاهر الجميلة لأهل السودان.
*عدد من المحطات المهمة ربطتني بالراحل المقيم الرمز الإعلامي الصديق بروفيسير صلاح الدين الفاضل.. أولي المحطات كانت منتصف الثمانيات وقد تخرجنا في جامعة الخرطوم وتم إستيعابنا محررين ومترجمين بإدارة الإرسال الخارجي بوكالة السودان للأنباء وكنت ضمن الزملاء معنيين بترجمة أخبار السودان للغتين الإنجليزية والفرنسية وإرسالها لما يزيد عن العشرين وكالة أنباء إقليمية وعالمية ضمن التبادل الإخباري ل(سونا) مع تلك الوكالات حيث نبعت لدينا في ذلك الوقت فكرة إنشاء إذاعة البرنامج الفرنسي بالإذاعة السودانية وكانت زميلتنا الراحلة نجوي الشفيع تعمل بالأذاعة فما أن طرحنا الفكرة إلا وأستوعبها الراحل وكان أول الداعمين لها وقد شقت إذاعة البرنامج الفرنسي طريقها إلي أن قامت الحرب اللعينة ولكنها أي إذاعة البرنامج الفرنسي قد مرت بالكثير من العثرات بعد أن غادر الراحل كرسي الإدارة….كنت أقدم برنامجاً باللغة الفرنسية يتناول قضية السلام وشعاره (سلام..سلام) فكان الراحل كلما نلتقي يبادرني بذلك الشعار…بقولته المميزة لي (عبدالملك سلام سلام) حتي وهو في سرير المرض لم ينس تلك العبارة.
*المحطة الثانية كان إقتراحي بإعداد برنامجاً إذاعياً باسم شؤون إفريقية ضمن الإدارة السياسية والأخبار علي أيام الأخ الزبير عثمان والراحل نجم الدين اللذان كانا يقدمانه بأصواتهما المتميزة ومعهم نادية إسحق وأسامة الخليفة ومحمد أحمد علي حسين وغيرهم من الزملاء واستمر البرنامج لسنوات طويلة…ثم أعقبته ببرنامج (قضايا) الذي كان يخرجه المبدعان صلاح التوم وحرمه سهير عثمان قوليب كل ذلك يتم برعاية وإشراف وتشجيع الراحل صلاح الدين الفاضل.
*محطة أخيرة وهامة جمعتني بالراحل وهي سوح الجميلة ومستحيلة جامعة الخرطوم وبكلية الآداب التي فيها تخرجت وفيها أدرس مادتي اللغة الفرنسية والإعلام حيث ظل يعمل الراحل معنا زميلاً في قسم الإعلام يدرس عدداً من المقررات..كان متميزاً لأنه ربط بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية كان محبوباً لدي طلابه لتعامله الراقي وروحه الطيبة وتواضعه الجم..وبحكم النجومية كان يتحلق حوله طلابه لكسب المزيد من المعرفة..فكانت سانحة طيبة أن نلتق أسبوعياً في الجامعة نتناول الكثير من الموضوعات ونتبادل الأفكار في الشأن العام والشأن الإعلامي علي وجه الخصوص…إرتبطنا بعلاقات صداقة وود ظللنا نحافظ عليها حتي رحيله وانا بقاهرة المعز عندما أزوره وألتقيه.
*سيرة ذاتية ومسيرة مهنية ثرة لأحد قامات بلادي الإعلامية للراحل صلاح الدين الفاضل وكان حفل التأبين وإقامة العزاء مساء أمس ببيت السودان بالسيدة زينب بقاهرة المعز إستفتاءاً حقيقياً لمكانة الراحل في قلوب الكثيرين بالحضور وبالكلمات التي قيلت في حقه..فكان أهل الإعلام والصحافة بكل قاماتهم حضوراً وكان اهل السياسة ورجال الدبلوماسية ورموز المجتمع السوداني في القاهرة وقيادات الجالية والمرأة والشباب وعدد من أساتذة جامعة الخرطوم علي رأسهم عميد كلية الآداب بروفيسير حمدالنيل محمد الحسن ودكتورة إسراء النقراشي مديرة ادارة الإعلام والدكتورة أمل أبوزيد وآخرين وعدد من طلابه وعارفي فضله…كانت أمسية بمرارة الفقد ولكنها تؤكد الإعتراف بفضله ودوره..ربنا يتقبله قبولا حسنا ويجعل مثواه الجنه وأن يجعل قبره روضة من رياضها والعزيزة للزميلة العزيزة حرمه نائلة ميرغني العمرابي ولأبنائه ولرفيق عمره في الإذاعة الأستاذ معتصم فضل وعبد العظيم عوض والكبير عثمان وصلاح التوم ولكل الزملاء والأصدقاء ولا نقول إلا ما يرضي الله..(إنا لله وإنا إليه راجعون).