آخر الأخبار

السودان في قلب المعادلة… زيارة المخابرات المصرية وإعادة تشكيل الأمن والاستقرار

 

عمرو خان

*جاءت زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن محمود رشاد، إلى السودان في توقيت بالغ الحساسية، لتؤكد أن الخرطوم لم تعد مجرد ساحة أزمة داخلية أو ملفًا إنسانيًا طارئًا، بل أصبحت محورًا استراتيجيًا في معادلة الأمن الإقليمي. وقد اكتسبت الزيارة دلالة مضاعفة بلقاء اللواء حسن محمود رشاد مع الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، في لحظة تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع رهانات السياسة، وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية حول مستقبل الدولة السودانية.

*هذه الزيارة لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للصراع في السودان، ولا عن موقعه الجغرافي والسياسي الذي يجعله نقطة ارتكاز للاستقرار أو بوابة للفوضى الممتدة عبر الإقليم. ومن هنا، فإن قراءة الزيارة بوصفها بروتوكولًا ثنائيًا تقليديًا تُعد قراءة قاصرة عن إدراك أبعادها الحقيقية.

*أولًا: معادلة الأمن الإقليمي: تعكس زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية إدراك القاهرة العميق لحقيقة راسخة في عقيدتها الأمنية، مفادها أن أمن مصر القومي يبدأ من استقرار السودان. فالحدود الجنوبية لمصر ليست مجرد خط جغرافي، بل مساحة أمنية مفتوحة تتأثر مباشرة بما يجري داخل الأراضي السودانية. ومن هذا المنطلق، تنظر القاهرة إلى السودان كركيزة أساسية في إدارة الاستقرار الإقليمي، لا كدولة جوار فقط، بل كدولة محورية في منع تمدد الفوضى نحو شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

*لقاء اللواء حسن محمود رشاد مع الفريق عبدالفتاح البرهان حمل رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على تماسكها، باعتبار أن انهيار الدولة أو تفكك القرار السيادي سيقود إلى تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها. كما يعكس اللقاء توافقًا ضمنيًا حول ضرورة بقاء السودان فاعلًا في محيطه، لا ساحة مستباحة لتصفية الصراعات بالوكالة.

*ثانيًا: التنسيق الاستخباراتي: يشكل التنسيق الاستخباراتي بين القاهرة والخرطوم أحد الأعمدة الأساسية لهذه الزيارة. ففي ظل الحرب والفراغات الأمنية، باتت المعلومة الدقيقة سلاحًا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية. التنسيق المباشر بين جهازي المخابرات يتيح تبادلًا سريعًا وفعّالًا للمعلومات، ويساعد في رصد التهديدات العابرة للحدود، سواء كانت شبكات تهريب السلاح، أو تحركات الميليشيات، أو تدخلات أطراف إقليمية تسعى لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم مصالحها.

*كما يسمح هذا التعاون بدمج المعلومات الاستخباراتية الإقليمية مع المعطيات الدولية، ما يخلق شبكة أمنية أكثر قدرة على التنبؤ بالمخاطر واحتوائها قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة. ويمنح الدولة السودانية فرصة لتعزيز سيطرتها على المناطق الحيوية، خاصة الحدود البرية والموانئ، التي تمثل نقاط ضغط استراتيجية في الصراع القائم.

 

*ثالثًا: مكافحة الإرهاب وحماية أمن البحر الأحمر والإقليم: يبرز ملف مكافحة الإرهاب كأحد المحاور المركزية في التعاون المصري–السوداني. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي، يشكل حلقة وصل بين مناطق نشاط جماعات متطرفة وشبكات إجرامية عابرة للحدود. وأي اختلال أمني داخله ينعكس مباشرة على أمن البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الملاحية العالمية وأكثرها حساسية في ظل الصراعات الدولية الراهنة.

*زيارة اللواء حسن محمود رشاد تحمل رسالة مفادها أن حماية البحر الأحمر لا تنفصل عن استقرار الداخل السوداني، وأن الأمن البحري يبدأ من البر، ومن ضبط الحدود، ومنع تحوّل السودان إلى نقطة انطلاق لتهديد الملاحة الدولية. هذا التعاون يعزز من قدرة الدول الإقليمية على تأمين هذا الشريان الحيوي، ويحد من محاولات تدويل أزماته تحت ذرائع أمنية.

 

*رابعًا: البعد الإنساني وتيسير عمليات الإغاثة: لا يقل البعد الإنساني أهمية عن الملفات الأمنية. فغياب الأمن يفتح الباب أمام استغلال المساعدات الإنسانية، ويحوّل الإغاثة إلى أداة ضغط أو تمويل للصراع. ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق الأمني في تيسير وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية العاملين في المجال الإغاثي.

*تعزيز الاستقرار الأمني يسهم بشكل مباشر في تقليص معاناة المدنيين، ويعيد للدولة دورها كجهة ضامنة لحياة المواطنين وحقوقهم. كما يمنح المجتمع الدولي شريكًا موثوقًا في إدارة الملف الإنساني بعيدًا عن الفوضى والابتزاز.

*في المحصلة، تؤكد زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن محمود رشاد ولقاؤه مع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن السودان بات في قلب معادلة إقليمية معقدة، وأن القاهرة تنظر إلى استقراره باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في أمن المنطقة بأكملها. إنها زيارة تحمل رسائل أمنية وسياسية وإنسانية واضحة، وتفتح نافذة أمام السودان لإعادة تموضعه كدولة فاعلة قادرة على حماية سيادتها والمساهمة في استقرار الإقليم.

*كاتب صحفي مصري