(أصداء سودانية) تفتح ملف سكك حديد السودان(3)
- شهادة من عطبرة تبرئ نميري من تهمة إنهيار السكة حديد
- حقيقة الصراع بين الإدارة والنقابات الشيوعية وتشريد الكفاءات
- نقابيون: قرار نميري بنقل رئاسة السكة حديد من عطبرة المقصود منه وأد الحزب الشيوعي
- السكة حديد تعرضت منذ السبعينات للإهمال وغياب التخطيط الإستراتيجي
تحقيق ــ التاج عثمان:
حضارة سادت ثم بادت.. هكذا وصف لي بعض قدامى العاملين بمدينة عطبرة حال سكك حديد السودان متأسفين على ما آلت إليه الأمور في هذا المرفق والذي يعد من أوائل خطوط السكك الحديدية في المنطقتين العربية والأفريقية حيث تجاوز عمرها اليوم المائة عام.. فلماذا وكيف إنهارت؟.. وكيف يمكن إعادتها لسابق عصرها الذهبي؟ (أصداء سودانية) تبحث وتنقب ماضي وراهن ومستقبل سكك حديد السودان على حلقات عبر هذا الملف
براءة نميري:

بعض قدامى النقابيين بعطبرة يرمون باللائمة في تدهور السكة حديد بالسودان لرئيس الأسبق، جعفر محمد نميري، بقراره الشهير عام 1971 بسحب البساط من عاصمة الحديد والنار (عطبرة)، وتوزيع أقسامها بين الولايات.. ويرى بعض اليساريين ان قرار نميري جاء في لحظة غضب وكرد طبيعي لكنه عنيف، على محاولة إنقلاب الشيوعيين عليه في 19 يوليو 1971، مشيرين ان جعفر نميري صب جام غضبه على السكة حديد بعطبرة لإعتقاده أنها معقل الشيوعية في السودان وانها شاركت في الإنقلاب العسكري الذي أطاح به لمدة ثلاثة أيام ليعود بعدها لإستلام الحكم مرة أخرى ويقود حملة إنتقامية شرسة شملت الأشخاص والمؤسسات والتي كان يرى انها ساهمت في إنقلاب الشيوعيين بشكل او بآخر ومنها رئاسة السكة حديد بعطبرة، والتي كانت تنظر إليها حكومة مايو بقيادة بأنها معقل الشيوعية ومركزا للحركة العمالية والسياسية والملاذ لكل من يعارض النظام المايوي حتى ولم لم يكن شيوعيا.. فأصدر، نميري، قراره الشهير بتوزيع إدارات السكة حديد وورشها وأقسامها المختلفة بين الولايات.. ومن هنا يرون ان قرار جعفر نميري ذاك، كان بمثابة (القشة التي قصمت ظهر البعير)، رغم ان السكة حديد لم تكن بعيرا بل كانت قلعة شامخة لهندسة وصيانة القاطرات والقطارات، واقصد بـ(القاطرات) السحابات بلغة السكة حديد التي تسحب خلفها عربات البضاعة والركاب، اما القطارات فالمقصود بها بلغة السكة حديد عربات الركاب والبضاعة والقاطرات السحابة.. عموما الرأي الأول في تدهور وإنهيار سكك حديد السودان يمثل رأي الشيوعيين، الذين يعتقدون ان القرار قصد منه نميري وأد نفوذ الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يعارض بشراسة حكومة مايو.
اما الرأي الثاني فيمثله عدد من العاملين بهيئة السكة حديد السودانية، من مهندسين، وفنيين، وموظفين، وعمال، وهم يبرئون نميري من تهمة تسببه في إنهيار السكة حديد، مستدلين على رأيهم هذا بأن قرار جعفر نميري نقل رئاسة الهيئة من عطبرة وتوزيع إداراتها واقسامها للولايات، كان يمثل رؤية نميري مع عدد من مستشاريه الإقتصاديين المقربين له، بضرورة تحويل التركيز الاقتصادي إلى مناطق أخرى في السودان لإحداث التنمية بتلك الولايات التي يرون أنها كانت مهضومة الحقوق ومهمشة، وكان ذلك التوجه موجود قبل إنقلاب الشيوعيين لكن تأخر إعلانه.. ورغم تباين الرأيين إلا ان قرار الرئيس الأسبق، جعفر نميري، أثر كثيرا على الاقتصاد المحلي لعطبرة، وأدى لتغيير في التركيز الاقتصادي والسياسي في السودان ككل، فبعد قرار 1971 لم تقم للسكة حديد في السودان قائمة، حيث بدأت في العد التنازلي حتى وصلت مرحلة الإنهيار الكامل، مع تضافر عوامل أخرى كثيرة قادتها لهذا المصير المحزن، سيتناولها التحقيق الصحفي بالتفصيل لاحقا.
مدير السكة حديد:
لمزيد من المعلومات حول هذه القضية الشائكة ننشر تلخيصا لتصريح ادلى به مدير عام السكة حديد، المهندس، موسى القوم، لموقع (عطبرة نيوز)، حول تأثر السكة حديد بالحرب، فقال من ضمن ما صرح به:
السكة حديد من أكثر الوحدات التي تضررت من الحرب، بجانب السيول والأمطار التي جرفت كثير من الخطوط.. وهناك 60% من العاملين في الهيئة من الولايات المتأثرة بالحرب نزحوا إلى المناطق الآمنة، والـ(40%) مهم من العمالة المحلية ندفع لهم كل مرتباتهم بدعم من وزارة المالية الإتحادية، وهو عمل إنساني وإلتزام أخلاقي.. وهناك خطط لمراجعة كافة خطوط السكة حديد بالبلاد لصيانتها وإعادة تأهيلها لضمان السلامة للجميع.. والهيئة لإعادة تطويرها تحتاج للمال وبالجلوس مع الجهات ذات الإختصاص سوف تذلل العقبات وفي مقدمتها المال.. ونحي عطبرة عاصمة الحديد والنار، وهي عاصمة السكة حديد وستظل هكذا إن شاء الله.. ونشكر جمهورها وإرتباطهم بالسكة حديد.
عوامل الإنهيار:

عدد من الإقتصاديين المتخصصين في حركة النقل يلخصون العوامل التي أدت لشلل وإنهيار السكة حديد في السودان بالآتي:
ــ الإهمال الحكومي وسوء الإدارة: حيث تعرضت السكة الحديد منذ السبعينات للإهمال الشديد مع غياب التخطيط الإستراتيجي وهروب الإستثمار في البنية التحتية، مما أدى إلى تدهور وتآكل ونهب الخطوط (القضبان)، بجانب ما تعرضت له الفلنكات من عمليات نهب واسعة، وتدهور ورش الصيانة بعطبرة وبورتسودان والخرطوم، والنقص الكبير في الأجهزة والمعدات وإختفاء بعضها في ظروف غامضة خلال تلك الحقبة.. وكمثال سرقة 1873 طقم مثبتات فلنكات خرصانية وبلنجات.. وسرقة مثبتات بقسم القوز ــ الكدرو بالأميال (69 ــ 70 ــ 71 ــ 74)، حيث يقوم لصوص خطوط السكة حديد ببيع حديد خطوط السكة حديد لتجار الخُردة بـأسعار زهيدة.
ــ نقص التمويل والصيانة: عدم توفر قطع الغيار اللازمة للصيانة تسبب بدوره في تأخير إصلاح القاطرات فتوقف نصفها على الأقل عن العمل، بجانب تدهور الورش وعدم قدرتها على مواكبة أعمال الصيانة.
ــ العقوبات الاقتصادية: وفي مقدمتها الحصار الأمريكي على السودان والذي أثر سلبا على كل منظومة السكة حديد وأصابها بالشلل، مما جعلها غير قادرة على العمل فتدمرت تماما، في ظل منع إستيراد قطع الغيار اللازمة لصيانة القاطرات بسبب العقوبات الأمريكية.
ــ الحرب الأهلية: والصراعات المستمرة التي شهدها السودان أدت إلى تدمير الخطوط وجسور السكة حديد وتوقف 80% من القطارات.
ــ منافسة النقل البري: تطور النقل البري أدى إلى إنخفاض حصة السكة حديد من 90% إلى أقل من 10% من حجم النقل في السودان فأصيبت حركة السكة حديد بخسائر كبيرة.
ــ الصراعات الإدارية والنقابية: نشوب وإحتدام الصراعات بين هيئة وإدارات السكة حديد من جهة، والنقابات من جهة أخرى أثر كثيرا على الكفاءة التشغيلية، مع تكرار الإضرابات والفصل التعسفي للكوادر المؤهلة خاصة الذين ينتمون سياسيا للحزب الشيوعي السوداني.
الإقتصاديون وخبراء النقل الذين إستطلعتهم يرون ان هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تدهور كبير في السكة حديد السودانية، مما أفقدها دورها السابق كناقل وطني رخيص وحيوي للبضائع والركاب، ما تسبب في إنقطاع وعزل ولايات كاملة في فصل الخريف كانت تعتمد إعتمادا كاملا على السكة حديد في نقل وارداتها وصادراتها من السلع المختلفة وحركة مواطنيها.
نواصل