آخر الأخبار

بين صراع النخب وسمسار السلطة (2-2)

درب التبانة

 د. الحسين تاج الدين احمد

 

*حين ظهرت ويكيليكس قبل سنوات، اهتزت الحكومات بسبب تسريبات دبلوماسية وعسكرية، لكن الدول استطاعت احتواء الأزمة عبر التبرير أو الملاحقة القانونية أما ملفات أبستين فهي أخطر بكثير، لأنها لا تضرب المؤسسات، بل الأفراد الأقوى داخل الدول. سياسيين، رجال أعمال، إعلاميين، شخصيات ملكية ودينية  كلهم باتوا تحت المجهر.. هذه ليست سياسات يمكن تبريرها أو أخطاء يمكن إصلاحها، بل فضائح شخصية لا يمكن الدفاع عنها. الملفات ليست معلومات فقط، بل أوراق ضغط تستخدم للابتزاز والمساومة وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. *ويكيليكس كشفت الماضي، أما ملفات أبستين فهي تكشف الماضي وتفتح أبواب المستقبل، لأنها تطرح أسئلة خطيرة: من كان يحمي أبستين؟ من كان يستفيد منه؟ من كان يعرف وسكت؟ وهل هناك شبكات مشابهة لم تكشف بعد؟ هذه الأسئلة تهدد بنية السلطة نفسها، وتجعل من هذه التسريبات أخطر من أي تسريب سابق. الفرق الجوهري أن ويكيليكس كانت تسريبات مركزية من مصدر واحد، أما ملفات أبستين فهي تسريبات متعددة الأطراف: جزء قضائي، جزء إعلامي، جزء من محامين، جزء من ضحايا، وجزء من جهات مجهولة. هذا ما يجعل السيطرة عليها شبه مستحيلة، ويحولها إلى فوضى مفتوحة على احتمالات لا تنتهي. المؤسسات الأمريكية أرادت إغلاق الملف نهائيا وتفريغه من قوته، لتمنع أي طرف من استخدامه سرا ضد مسؤولين حاليين. النشر العلني يحمي الدولة من النشر الانتقائي. الأطراف السياسية وجدت فرصة لضرب خصومها دون أن تظهر مباشرة، فكل اسم يسقط منافسا. هذه طريقة كلاسيكية في حروب النخب.

*الإعلام العالمي وجد منجما لا ينضب من القصص المثيرة، يضمن نسب مشاهدة عالية واهتماما جماهيريا متواصلا.. كل يوم يمكن استخراج قصة جديدة من الوثائق. الضحايا ومحاموهم عززوا مصداقيتهم وفتحوا الباب لدعاو جديدة، ليحولوا الألم إلى قوة قانونية. جهات أخرى تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي عبر كشف الشبكات القديمة، وإضعاف النخب التي كانت تسيطر على مفاصل السلطة.. هذه الجهات تستفيد لأنها ترى في انهيار الشبكات القديمة فرصة لصعود شبكات جديدة.

*النشر ليس مؤامرة أيديولوجية، بل أداة في حرب داخلية بين النخب، حيث كل طرف يحاول أن يخرج بأقل الخسائر وأكثر المكاسب. إنها ليست معركة أفكار، بل معركة مصالح، والوثائق ليست مجرد أوراق، بل سلاح يُستخدم في صراع عالمي على السلطة والنفوذ. ملفات إبستين ليست مجرد فضيحة عابرة، بل مرآة تكشف الوجه الحقيقي للنخب العالمية: شبكة مصالح، علاقات سرية، وأوراق ضغط تُستخدم في معارك النفوذ. إنها أخطر من ويكيليكس لأنها لا تفضح الدول، بل تفضح الأفراد الذين يقفون خلفها. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: ماذا تكشف الوثائق؟ بل: كيف سيعاد تشكيل العالم بعد أن انكشفت هذه الشبكات؟ هل هنالك سماسرة آخرون أم نكتفي بهذا السقوط الأخلاقي؟ سقوط النخب الأخلاقي يوضح تماماً أنها نخب جوفاء لا تحمل القيمة ولا الهدف الإنساني الذي صدعوا به رؤوسنا. إبستين ليس إلا لمحة للوجه الحقيقي لهذه الجماعات وما خفي أعظم. اسودت وجوه هؤلاء النخب وسقطوا في قاع الأخلاق ولن يروا نوراً كما ينير درب تبانتنا دوماً