آخر الأخبار

دروب الحياة والذاكرة

أيام وليالي

علي سلطان

 

 

لما شفتك ليلي ضوا وبقا نور

ونرجس الجنة المفرهد رف بجناحات عطور

غنى فارسك وخت صورتك في الإطار.. وقال في وصفك لما بنت مافي أحلى منك إلا إنت.

*هذه بضعة أبيات من قصيدة طويلة للراحل المقيم هاشم صديق غناها الأستاذ الراحل المقيم محمد الأمين رحمهما الله في  منتصف سبعينيات القرن الماضي.

*هذه القصيدة وجدتها منشورة في الملحق الثقافي لجريدة الصحافة.. أيام كانت الملاحق الصحفية زادا ثقافيا لا يقدر بثمن.. وكتب أن هذه القصيدة لهاشم صديق سيغنيها محمدالأمين.. ولأننا في ذاك الوقت من عشاق محمد الأمين، فقد حفظت القصيدة عن ظهر قلب.. كنت وقتها في السنة الثانية بشندي الثانوية.. كانت صحيفة الصحافة ومعها الأيام في ذاك الوقت صحيفتين رائعتين دسمتين وكان ورقهما مصقولا وتصميمهما رائعا.. وكنت أفضل جريدة  الصحافة أكثر عن جريدة الايام.. ولكن أقرأ الأيام يوميا مع الصحافة.. كنا نذهب يوميا إلى مكتبة العدسي في سوق شندي الكبير بجوار الجامع الكبير لشراء الجرائد والمجلات ونذهب أيضا إلى مكتبة لطفي لشراء الكتب والروايات العربية.

*حفظت قصيدة هاشم صديق.. وكنا نستعد لرحلة طلابية لجمعية الجغرافيا في شندي الثانوية لزيارة مصر.. وكانت قصة سفرنا إلى مصر ونحن بعد طلابا في الثانوي حدثا تاريخيا مهما في المدرسة وفي شندي.. وكانت قصة سفرنا وتفاصيلها ملحمة تستحق أن تدون في كتاب لأننا فعلنا المستحيل لكي ينجح التحدي ونسافر إلى مصر.. أقمنا حفلات غنائية ومسرحيات في عدد من قرى شندي بالتذاكر؛ حددنا اشتراكا مبلغا من المال لكل طالب مسافر.. سافر منا فريق إلى الخرطوم ليقوم بإجراءات السفر والحصول على دعم .. وتحصلنا على دعم مالي من وزارة الشباب والرياضة.. تحصلنا على تصاريح سفر مجانية على قطار شندي حلفا ذهابا وعودة.. سافرنا ببطاقة تكامل وادي النيل دون أن نستخرج جوازات سفر.. تحصلنا على زوادة السفر من القسم الداخلي في شندي الثانوية.. كنا تقريبا نحو 25طالبا من الصف الثاني بشندي الثانوية عدا طالب واحد كان من الصف الأول.. كان مشرف الرحلة الأستاذ شرف الدين ومعه موظفان  من المدرسة.. ونحن الطلبة كنا22 طالبا في عمر الزهور والورد.

* وبدأت رحلتنا من محطة قطار شندي إلى محطة قطار حلفا ومنها إلى ميناء حلفا حيث ركبنا الباخرة إلى أسوان ومنها بالقطار القشاش من أسوان إلى القاهرة.. وما ادراك ما القطار القشاش في مصر.. في القاهرة نزلنا في العتبة الخضراء في فندق اسمه بدر.. وكانت العتبة وقتها غير العتبة اليوم ولا مقارنة..!! قضينا أياما جميلة في القاهرة وسافرنا بالقطار إلى الإسكندرية حيث استمتعنا حقا في الإسكندرية.. وفيها نبع  عشقي   إلى ثغر مصر الإسكندرية وحبي لمصر كلها.. تفاعلت مع قراءاتي لروايات نجيب محفوظ ويوسف السباعي، عبدالحليم عبدالله وإحسان عبدالقدوس ومشاهدة الأفلام المصرية مع أحياء القاهرة القديمة واختلط مداد الحبر مع خطاوي الشوق في تلك الحواري و الأزقة فكان مزيجا وخليطا متداخلا داعب الأنف.. وأشعل الحماسة.. فكنت  بين الأزهر والحسين والغورية وخان الخليلي وبين القصرين وشارع عماد الدين.. الخ.. كل ذلك أحدث هذا التفاعل الذي مازال حيا حتى اليوم حبا لمصر الطيبة.. في القاهرة وجدت ضالتي في سوق الأزبكية القديم حيث الكتب المستعملة هي الغالب.. وكان كنزا جميلا.. عدت إلى شندي محملا كراتين من الكتب عشقي الأول والأخير.. ولم نفوت الفرصة في أيامنا الأخيرة أخذنا صورا تذكارية في ستوديو العريس حيث كان يمنحك البدلة والكرافتة للتصوير ويقوم ببعض الرتوش على صورتك.. فتجد انك تشبه رشدي أباظة.

*ونحن في الباخرة في طريقنا إلى أسوان تعرفت إلى شاب لطيف اسمه الرشيد عرفت أنه من أصدقاء محمد الأمين ومحبيه.. فأسمعته قصيدة هاشم صديق التي سيغنيها محمد الأمين؛ فاندهش.. وأصبحنا أصدقاء والتقينا في الخرطوم بعد ذلك عدة مرات.

*وفي ذاك الوقت كانت اغنية عبدالحليم حافظ رسالة من تحت الماء لنزار قباني رائجة جدا.. وكنت قد حفظت كلماتها من ديوان لنزار قباني قبل أن اسمعها من عبدالحليم وسمعتها في القاهرة بعد ذلك.

*ماتزال بعض الذكريات متَوهجة جدا قد تنشط وتحيا من جديد بكلمة أو لفتة عابرة أو صوت شجي..وقد نعود إلى دروب الحياة التي سلكتها في عوالم شتى بين سفر وقراءة  وإذاعة صحافة  بعزيمة لم تفتر..إن مد الله في الآجال  وماتزال السنارة عالقة والشبكة عائمة في بحر الذكريات.