آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (40) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ذ)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*فتشينتوفيتش، المتمرس بالاعتياد ظل طوال الوقت  ثابتاً لا يتحرك كالكتلة الصلبة مع تركيز عينيه على الرقعة، محملقاً لها.. كان يتطلب التفكير منه بذل جهد بدني يجبر كل جسمه على أشد درجة من التركيز. على عكس الدكتور (ب) الذي كان يتحرك بخفة ودون تكلف.

*كان هاوياً بالمعنى الجميل للكلمة، يلعب حباً في اللعبة وهو مسترخٍ تماماً، يدردش معنا في البداية خلال الفسحات شارحاً لنا، ويولع السيجارة بيده بخفة، ولا ينظر أمامه إلا عندما يحين دوره لمدة دقيقة، وكأنه في كل مرة كان قد توقع حركة الخصم.

*مرت الحركات الافتتاحية الإلزامية سريعاً.. بعد الحركة السابعة أو الثامنة بدا أن هناك خطة ما تتطور. تشينتوفيتش بدأ في الإطالة للتفكير، هكذا عرفنا أن الصراع الحقيقي من أجل التقدم قد بدأ. لكن إحقاقاً للحق لم تكن وتيرة التطور للوضع – كما الحال مع جولات الشطرنج الحقيقية – بالنسبة لنا كغير متخصصين إلا خيبة أمل. *فكلما تضافرت القطع في شكل زخرفات غريبة استغلقت علينا حقيقة الموقف وما يرمي إليه أي من الخصمين أو من منهما متقدم على الآخر.. كل ما أدركناه تقديم البيادق إلى الأمام لفتح جبهة العدو، ولكننا لم نفطن مع لاعبين متفوقين يلعبان بخطة طويلة المدى إلى الغاية الاستراتيجية من تحريك القطع هكذا أو هكذا.

*ثم بدأ التعب يتسلل إلينا؛ وذلك بالأساس بسبب المهل المطولة التي قضاها تشينتوفيتش في التفكير بلا نهاية مما ضاق به أيضاً صديقنا بشكل واضح.. راقبته بقلق وهو يتزحزح متوترًا في الكرسي كلما طال الوقت، ثم وهو يشعل سيجارة تلو الأخرى من العصبية، ثم وهو يمسك بقلم رصاص ليدون ملاحظاته.ثم عاد ليطلب مياهاً معدنية ويشرب كوباً وراء آخر متعجلاً.. كان جلياً أنه يجري حساباته الذهنية أسرع مئات المرات من تشينتو فيتش.

*في كل مرة يتخذ فيها قراراً بعد تفكير ممل ليحرك يده الثقيلة، ويقدم قطعة إلى الأمام، كان صديقنا يبتسم كالذي كان متوقعاً منذ أمد ما سوف يحدث ويرد على الحركة في الحال. أغلب الظن أنه يحسب بمخه السريع كل الاحتمالات الممكنة للخصم. وكلما تأخر قرار نشينتو فيتش، نفد صبره وأخذ يضغط على شفتيه خلال الانتظار في غضب يكاد يكون عدائياً. إلا أن تشينتو فيتش لم يبالِ بكل هذا ولم يتعجل.

نهاية المداد:

*كلما كان الإنسان أكثر تطوراً وتفكيراً وغوصاً في دقائق الأمور، أصبح أقل جرأة وأكثر وسوسة وأشد وجلاً في التصدي للمسألة.

 (أنطون تشيخوف)