آخر الأخبار

آثار السودان بين الإهمال الرسمي وجرافات الدهابة(5-5)

  • السودان يختزن في باطن أرضه ثروات معدنية هائلة
  • التعدين الأهلي غير المرشد يتسبب في طمس ذاكرة الوطن.. ويفترض تنظيمه في كيانات تعاونية
  • يجب إيجاد جهاز رقابي فعال يتولى متابعة أنشطة التعدين بالمواقع الأثرية
  • القضاء على التعدين الأهلي (صعب) لإرتباطه بواقع إقتصادي وإجتماعي لآلاف المواطنين

حسينارتي ــ عادل الحاج
في صمت الصحراء الممتدة شمال السودان، حيث تتناثر بقايا حضارات ضاربة في عمق التاريخ، يقف الماضي شاهداً على مجدٍ عظيمٍ صنعته حضارات كوش ونبتة ومروي.. غير أن هذا الصمت لم يعد هادئاً كما كان فقد باتت معاول التنقيب العشوائي عن الذهب، وصوت محركات الآليات الثقيلة، تقطع سكون تلك المواقع الأثرية في مشهد يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال.. وبينما يفترض أن تكون هذه المواقع تحت حماية ورعاية الجهات المختصة، يزداد القلق من أن تاريخ السودان العريق يتعرض اليوم لتهديد حقيقي قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من ذاكرة الأمة.. ويُعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، إذ تنتشر على أراضيه آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين.. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المواقع لم تُكتشف بعد، فيما تعاني مواقع أخرى من غياب الحماية الكافية أو التوثيق العلمي.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية من مناطق الآثار بالولاية الشمالية.. من خلال هذه الحلقة الخامسة والأخيرة من التحقيق نلتقي بالدكتور (عبد الله محمد عبد الله بابكر) الأستاذ المساعد بجامعة افريقيا العالمية رئيس قسم الجيولوجيا الإقتصاديه بكلية المعادن والنفط وهو أحد المتخصصين في علوم الأرض والجيولوجيا حيث سلط الضوء على الطبيعة الجيولوجية للسودان وانتشار الذهب في أقاليمه المختلفة وإمكانية وجود معادن أخرى مثل اليورانيوم.. إلى جانب رؤيته لواقع التعدين الأهلي والتحديات التي تواجه تنظيمه والحفاظ على الثروة المعدنية والتراث الحضاري الأثري للبلاد.
ثروات معدنية هائلة:

يواصل الدكتور، عبد الله محمد عبد الله حديثه العلمي عن الذهب بالسودان بقوله: أكثر ما لفت إنتباهي خلال الرحلات الميدانية والدراسات التي قمنا بها في مناطق مختلفة من السودان، هو الإنتشار الواسع لمعدن الذهب في عدد كبير من أقاليم البلاد، فالمؤشرات الجيولوجية تدل على أن وجود الذهب لا يقتصر على منطقة بعينها، بل يظهر في نطاقات متعددة تمتد عبر الشمال والشرق والغرب وحتى بعض مناطق الوسط والجنوب.. فهذا الإنتشار يعكس الطبيعة الجيولوجية المتنوعة للسودان، حيث تنتشر التكوينات الصخرية القديمة والأحزمة المعدنية التي تُعد بيئات مناسبة لتكوّن رواسب الذهب.. فالشواهد الجيولوجية تجعل السودان من البلدان التي تمتلك إمكانات كبيرة في مجال تعدين الذهب، سواء في الرواسب الصخرية أو في الرواسب النهرية التي تنتج عن عمليات التعرية والترسيب عبر آلاف السنين.. ولا شك ان هذه المعطيات الجيولوجية تؤكد أن السودان لا يزال يختزن ثروات معدنية كبيرة بل هائلة في باطن أرضه،خاصة الذهب واليورانيوم، فكثير من مناطقه لم تخضع بعد لدراسات إستكشافية متعمقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام مزيد من البحث العلمي والإستثمار المنظم في قطاع التعدين.
التعدين الأهلي:


وحول التعدين الأهلي ومدى تأثر الآثار به يقول موضحا: من واقع خبرتي في مجال الجيولوجيا، فإن التعدين الأهلي بصورته الحالية يمثل تحدياً حقيقياً أمام حسن إستغلال الثروات المعدنية في السودان، لأن كثيراً من عمليات التعدين التي تتم بصورة عشوائية تفتقر إلى الأسس العلمية والتنظيمية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى إستنزاف الموارد المعدنية وإهدار جزء كبير من المخزون الحقيقي لهذه الثروات دون تحقيق الإستفادة الإقتصادية المُثلى منها.. فغياب الرقابة الكافية والتنظيم الصارم من قبل الجهات المختصة يفتح الباب واسعا أمام ممارسات غير مسؤولة في بعض مناطق التعدين، حيث يلجأ بعض المعدنين إلى الحفر والتنقيب في مواقع يُشتبه في إحتوائها على آثار تاريخية.. فمثل هذا السلوك لا يقتصر ضرره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليطال التراث الحضاري والثقافي للسودان، إذ يؤدي إلى تخريب مواقع أثرية ذات قيمة تاريخية كبيرة تمثل جزءاً مهماً من ذاكرة البلاد وهويتها.. ومعالجة هذه الإشكالية تتطلب وضع سياسات واضحة لتنظيم التعدين الأهلي، وتعزيز الرقابة على مناطق التعدين، إلى جانب رفع الوعي بأهمية الحفاظ على المواقع الأثرية بوصفها إرثاً وطنياً ينبغي صونه للأجيال القادمة.
تنظيم المعدنين:


ويختم حديثه لـ(أصداء سودانيه) بقوله: أود أن أقول أن التجارب التي مر بها السودان خلال السنوات الماضية أظهرت بوضوح أن القضاء على ظاهرة التعدين الأهلي بصورة كاملة أمر بالغ الصعوبة، نظراً لإرتباطه بواقع إقتصادي وإجتماعي تعيشه أعداد كبيرة من المواطنين الذين يعتمدون عليه كمصدر أساسي للرزق.. والحل الأمثل لا يكمن في المنع المطلق، وإنما في تنظيم هذا النشاط وتقنينه بصورة علمية ومدروسة.. وأقترح في هذا السياق أن تعمل الدولة على تنظيم المعدنين التقليديين في جمعيات أو كيانات تعاونية، بحيث يسهل توجيههم والإشراف على نشاطهم بصورة أفضل.. ومن المهم إشراك خبراء جيولوجيين في هذه العملية، لمساعدة المعدنين على تحديد مواقع الحفر وفتح آبار التعدين بطرق علمية مدروسة، بما يسهم في تقليل الهدر في الموارد المعدنية ويحافظ على المخزون الحقيقي للثروة المعدنية في البلاد.. ومن الضروري ايجاد جهاز رقابي فعّال يتولى متابعة أنشطة التعدين في الميدان، خاصة في المناطق التي تضم مواقع أثرية أو تاريخية، وذلك لمنع التعدي عليها وحمايتها من التخريب، بإعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث الحضاري والثقافي للسودان والذي يجب الحفاظ عليه وصونه للأجيال القادمة.
في اعدادنا القادمة:
تحقيق صحفي إستقصائي يكشف:
ــ تفاصيل وأسباب إنهيار أكبر وأهم مركز بحثي للحيوان في السودان.
-الثيران (الطلائق) غالية الثمن والتي تم جلبها لتحسين سلالة أبقار الكنانة تم ذبحها وتقديم لحومها وجبة لبعض الجهات.
ــ محطة ام بنين البيطرية لم تكن مجرد زرائب أبقار بل مركز علمي متقدم لتحسين سلالة بقار الكنانة وتطوير ثروتنا الحيوانية.
ــ جولة صحفية داخل محطة الأبحاث البيطرية بأم بنين تكشف حجم الدمار والخراب الذي لحق بها خلال السنوات الماضية.