
بين الروايات المتضاربة أسئلة مشروعة في وقت بالغ الحساسية
د. ميمونة سعيد آدم
*في خضم التحولات الميدانية المتسارعة التي يشهدها السودان، ومع اتساع دائرة الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، برزت في الأيام الأخيرة قضية أثارت كثيرًا من التساؤلات والجدل، بعد تداول أنباء عن اختفاء أبناء القائد المنشق المعروف بـ(السافنا)، ثم الحديث لاحقًا عن اختطافهم بواسطة الدعم السريع، قبل أن تظهر زوجته وابنته في تسجيل مصور يؤكدان فيه أنهما عادتا إلى حواضنهما الاجتماعية بإرادتهما، وأن والدهما لا يمثل توجهاتهما.. وبين رواية الاختطاف ورواية العودة الطوعية، تقف الأسئلة أكبر من الإجابات، وتبدو القضية في جوهرها انعكاسًا لتحول خطير في طبيعة الصراع نفسه.
*إن المتابع للمشهد السوداني يلاحظ أن الحرب تجاوزت منذ فترة طويلة حدود القضية السياسية التي كانت تُرفع كشعار، لتدخل تدريجيًا في مرحلة أكثر تعقيدًا، وهي مرحلة حرب العصابات، والحروب النفسية، والضغط الاجتماعي والأسري، واستخدام الروابط القبلية والعائلية كوسيلة ابتزاز وتصفية حسابات.. وهذه التحولات لا تعكس فقط طبيعة التراجع الميداني، وإنما تكشف أيضًا عن أزمة داخلية عميقة تعاني منها المجموعات المسلحة في كيفية الحفاظ على تماسكها والسيطرة على قياداتها وأفرادها.
*القضية المطروحة هنا لا تتعلق فقط بواقعة اختفاء أو اختطاف مزعوم، وإنما تتعلق بالسياق الذي حدثت فيه، والطريقة التي أُديرت بها، والرسائل التي يُراد إيصالها من خلالها.. فمن الصعب على أي مراقب أن يتجاوز عددًا من الأسئلة المنطقية والقانونية المرتبطة بهذه الواقعة.. فإذا كان الاختطاف قد حدث بالفعل، فكيف تم نقل أبناء قائد بحجم (السافنا) عبر عدة دول، من المملكة العربية السعودية إلى إثيوبيا ثم إلى يوغندا، وفقًا لما يتم تداوله، دون أن تتحرك أي إجراءات قانونية أو أمنية معلنة؟ وهل تم بالفعل تقييد بلاغات اختطاف عبر القنوات الرسمية؟ وإذا كان الأمر صحيحًا، فكيف تم تجاوز المطارات والمعابر الدولية دون رصد أو تدخل؟.
*ثم إن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في: هل يُعقل أن يكون أبناء شخصية عسكرية بارزة، عاشت سنوات طويلة داخل بيئة الدعم السريع، دون أي ترتيبات أمنية أو حماية خاصة، خاصة بعد إعلان الانشقاق وما يحمله من مخاطر متوقعة؟ فمن المعروف في سياقات النزاعات المسلحة أن أول ما يتم تأمينه بعد أي انشقاق هو الأسرة والمحيط الاجتماعي، لأن الجماعات المسلحة غالبًا ما تستخدم الضغط الأسري وسيلة لإعادة ضبط الولاءات أو توجيه الرسائل السياسية.
*وفي المقابل، إذا كانت الرواية الأخرى صحيحة، وأن الأسرة عادت بإرادتها الكاملة، فإن ذلك يفتح الباب أيضًا أمام تساؤلات لا تقل أهمية.. فالمجتمعات البدوية والقبلية في السودان تقوم في جزء كبير من بنيتها الاجتماعية على وحدة الموقف الأسري، وخاصة بين الزوجة والزوج، وهو ما يجعل فكرة الخروج العلني بموقف سياسي أو اجتماعي مناقض تمامًا لتوجه الزوج أمرًا غير مألوف في العرف الاجتماعي السائد، إلا في ظروف استثنائية وضاغطة للغاية.. ولذلك فإن الظهور الهادئ للزوجة وهي تبلغ قائد الدعم السريع برسائل طمأنة، في توقيت بالغ الحساسية، يثير كثيرًا من الشكوك حول طبيعة المشهد الحقيقي خلف الكاميرا.
*وإذا كان ما حدث قد تم بعلم السافنا وموافقته، فإن ذلك يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة موقفه الحالي من الدعم السريع، وما إذا كان الأمر يعكس تراجعًا – ولو جزئيًا – عن مواقفه السابقة تجاهها.. فالسماح بظهور أسرته وهي تعلن عودتها إلى حواضنها وتخاطب قيادة الدعم السريع بلغة هادئة ومتصالحة قد يُفهم باعتباره مؤشرًا على وجود مراجعات أو تفاهمات غير معلنة، أو على الأقل محاولة لفتح مسارات تواصل جديدة بعد مرحلة الانشقاق والتصعيد.. كما أن هذا المشهد قد يبعث برسائل متباينة للمتابعين؛ فهناك من قد يراه تكتيكًا لاحتواء الضغوط الأسرية والاجتماعية، بينما قد يفسره آخرون باعتباره إشارة إلى اهتزاز موقفه السياسي أو إعادة حساباته تجاه الصراع القائم.. وفي جميع الأحوال، فإن هذا الاحتمال يضع السافنا أمام تحدٍ كبير يتعلق بكيفية تفسير هذا السلوك للرأي العام ولمحيطه الاجتماعي والعسكري، خاصة أن أي تراجع أو غموض في المواقف داخل بيئة النزاعات المسلحة يُقرأ غالبًا باعتباره تحولًا في التحالفات أو بداية لإعادة التموضع السياسي والأمني.
*الأخطر من كل ذلك أن هذه الواقعة – سواء صحت رواية الاختطاف أو لم تصح – تعكس مستوى خطيرًا من الانحدار في طبيعة إدارة الصراع.. فحين تنتقل الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى استهداف الأسر والعائلات والحواضن الاجتماعية، فإن ذلك يعني أن الصراع دخل مرحلة شديدة التعقيد، قد تفتح الباب أمام انتهاكات أسرية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها مستقبلًا. وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية، بل تجارب معروفة في عدد من النزاعات الإفريقية والإقليمية، حيث تحولت الصراعات المسلحة لاحقًا إلى دوائر ثأر وانتقام اجتماعي امتدت لعقود طويلة. كما أن استخدام الأسرة كورقة ضغط يحمل في داخله خطر تفكيك ما تبقى من الضوابط الأخلاقية والسياسية للصراع، لأن أي طرف يلجأ إلى هذا الأسلوب يبعث برسالة ضمنية مفادها أن الخصومة لم تعد مقتصرة على المقاتلين.
*ومن زاوية قانونية، فإن أي عملية اختطاف أو احتجاز قسري لأفراد بسبب صلة قرابة أو انتماء سياسي تُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، خاصة إذا ارتبطت بالإكراه أو التهديد أو استخدام الضغط النفسي. كما أن استغلال الروابط الأسرية في النزاعات المسلحة يدخل ضمن الممارسات التي تُدينها المواثيق الدولية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات.
*وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال البعد الاستخباري والسياسي لهذه القضية. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السيطرة الميدانية، بل أصبحت تقوم بدرجة كبيرة على كسر الروح المعنوية، والتأثير النفسي، وإعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمعات المحلية.. ولذلك فإن مثل هذه الرسائل المصورة قد تُستخدم لإيصال إشارات سياسية للمنشقين أو المترددين داخل الدعم السريع، مفادها أن الخروج من الصف ستكون له تبعات تتجاوز الفرد نفسه إلى أسرته وبيئته الاجتماعية.
*لكن مثل هذه الأساليب، إن صحت، قد تتحول إلى سلاح مرتد على مستخدميه.. لأن المجتمعات السودانية، رغم تعقيداتها، لا تتسامح طويلًا مع الانتهاكات التي تمس الأسرة والكرامة الاجتماعية.. وقد يؤدي الإفراط في استخدام أدوات الترهيب الأسري إلى خلق ردود فعل عكسية، وزيادة مشاعر الغضب والرفض داخل البيئات الاجتماعية نفسها، وهو ما قد يساهم في تسريع حالة التفكك بدلًا عن معالجتها.
*إن السودان اليوم يقف أمام مرحلة بالغة الحساسية، تتطلب قدرًا عاليًا من اليقظة والانتباه. فسواء كانت حادثة أبناء السافنا عملية اختطاف حقيقية او اختفاء، أو عودة طوعية، أو حتى جزءًا من حرب نفسية وإعلامية، فإن دلالاتها السياسية والاجتماعية والأمنية لا يمكن تجاهلها. فالمشهد يكشف بوضوح أن الحرب دخلت مستويات جديدة من التعقيد، وأن الانزلاق نحو استهداف الأسر والعلاقات الاجتماعية قد يقود إلى تداعيات خطيرة يصعب احتواؤها لاحقًا.
*وفي ظل هذه التحديات، تبقى الثقة كبيرة في قدرة القوات المسلحة السودانية، وأجهزتها الاستخبارية والأمنية، إلى جانب وعي المواطن السوداني، على التعامل مع هذه التحولات بحذر ومسؤولية.