اختراع من رحم الصاج..تتويج الكسرة السودانية ضمن أفضل (10) أنواع خبز في العالم
- أصبحت ضمن الباغيت الفرنسي والنان الهندي، والتورتيلا المكسيكية
- اختراع لايحتاج تسجيل في دفاتر الغرب فكل بيت مكتب براءته
إعداد – نعمات أبوزيد:
الكسرة ليست خبزاً هي براءة اختراع سجلتها يد سودانية سمراء بحبر العرق، وعلى ورق الصاج، وشهد عليها الجوع فشبع، والغربة فحنت، والزمان فخلّدها.. من حبة ذرة متواضعة، نسجت حيلة شعب، فقيرٌ في جيبه، غنيٌ في عواسته هي دائرة الوطن حين يُفرش على المائدة، وأول درس في الكيمياء تعلمته الأمهات قبل المدارس كيف يصير الماء والدقيق والزمن حياة.
حين ضاقت الأرض بالقمح، واشتدت الشمس على الحقول، اخترعت الجدة السودانية معجزة اسمها الكسرة
لم تكن رغيفاً فحسب، بل فكرة..
عجينٌ سائلٌ يهمس للزمن (أمهلني)، فيصير بعد ليلةٍ خمراً من الحموضة الطيبة، وحين يلامس الصاج الملتهب، يرسم دوائر من نور.. تتنفس الثقوب الصغيرة على وجهها كأنها رئة البيت وتخرج من النار طرية، مطواعة، تَحنِي ظهرها لتغمس في الملاح، وتحفظ كرامتها فلا تنكسر إلا على موائد المحبة.
كل الأسر:

في كل أسرة سودانية تتوفرأدوات الكسرة وهي ملحقات تساعد في إعداد الكسرة التي كانت تعتمد عليها الأسر بشكل ملحوظ مع ضيق ذات اليد وتدبير الأمهات في جعل الحياة سهلة قبل ثورة العولمة التي جعلتها في ذيل المائدة أو الإعتماد عليها عبر شرائها من أماكن مخصصة لبيعها في بعض المخابز والسوبر ماركت فهو اختراع لا يحتاج تسجيلاً في دفاتر الغرب، لأن كل بيت سوداني هو مكتب براءته، وكل قرقريبة هي قلم التوقيع وقد تربعت علي عرش الموائد خلال الحرب اللعينة التي قضت على الاخضر واليابس ليكون الاعتماد عليها بعد إرادة المولى.
طريقه الإعداد:
إعدادها لايحتاج وقتا طويلا وتوجد في معظم البيوت السودانية.. تشبه (اللحوح) أو (الإنجيرا) الإثيوبية لكنها أرق وأقل حموضة.
وهي عبارة عن رقائق دائرية رفيعة جداً، طرية ومخرمة من جهة واحدة. بتتعمل من عجين سائل مخمر وبتتخبز على (الصاج) أو (الدوكة).. ما فيها خميرة كيميائية، الإعتماد كله على التخمير الطبيعي ومكوناتها الأساسية دقيق الذرة : الأساس التقليدي، خاصة (الفتريتة) أو (ود عكر)
دقيق قمح: بيتخلط مع الذرة عشان يدي مرونة وما تتكسر..
الخمّار: شوية عجين قديم مخمر من اليوم القبلو، دا البداية اللي بيخمروا بيها العجين كلو.
تتويج عالمي:
في احتفالية عالمية بالثقافة والطهي الشعبي، فجّرت شبكة
CNN
العالمية مفاجأة سارة لعشاق المطبخ الإفريقي والعربي، حيث اختارت الكسرة السودانية لتتربع بكل فخر ضمن قائمة أفضل 10 أنواع خبز في العالم.
هذا الإعتراف الدولي لم يكن مجرد تقييم لوجبة طعام، بل هو تكريم لثقافة ضاربة في الجذور، واعتراف بعبقرية ممتدة عبر الأجيال صاغتها الأنامل السودانية السمراء برقة الحرير وصبر السنين.
سحر العواسة:
التكنيك الذي أدهش خبراء الطهيوصف تقرير الشبكة العالمية طريقة إعداد الكسرة، أو ما يُعرف محلياً بـ (العواسة)، بأنها لوحة فنية وحركية مبهرة.. فبينما يعتمد العالم على الشوبك والأفران الحديثة، تقف المرأة السودانية أمام الصاج الساخن (الدوكة)، وبحركة دائرية خاطفة وسريعة باستخدام ورقة شجر أو قطعة بلاستيكية رقيقة، تحول العجين السائل في ثوانٍ معدودة إلى رقاقة حريرية ناعمة، شفافة، ومتماسكة في آنٍ واحد.
وجاء في تقريرCNN إن صناعة الكسرة السودانية تتطلب مهارة يدوية فائقة وتكنيكاً حركياً معقداً يصعب على الطهاة المحترفين تقليده دون تدريب لسنوات. إنها معجزة المطبخ الإفريقي التقليدي.
ذكاء التخمير:
لم يتوقف إعجاب خبراء الطهي عند طريقة الإعداد فحسب، بل امتد إلى (العجين المُر) (المخمر).. فالكسرة ليست مجرد دقيق وماء؛ بل هي نتاج عملية تخمير طبيعية دقيقة تمنحها ذلك المذاق الحامض المميز. هذه الحموضة الذكية لا تعطيها نكهة فريدة فقط، بل تجعلها سهلة الهضم، وتجعلها الرفيق المثالي لامتصاص نكهات (المِلاح) السوداني الغني بشتى أنواعه مثل التقلية، النعيمية، والويكة.
من بيوت الطين إلى المنصات العالمية:

بهذا التتويج العالمي، تخرج (الكسرة) من جغرافيتها المحلية لتصبح سفيرة فوق العادة للثقافة السودانية. إنها الخبز الذي تحدى الزمن، وظل يجمع الأسر حول (البرش) و(الصينية) في لحظات الفرح والألفة، والآن يقف جنباً إلى جنب مع الباغيت الفرنسي، والنان الهندي، والتورتيلا المكسيكية، كأحد أعظم ابتكارات البشرية في عالم المخبوزات.
إن هذا التتويج العالمي هو في حقيقته وسام على صدر كل أُم وحبوبة (جدة) سودانية، سهرت أمام وهج الصاج لتطعم عائلتها حباً وكرامة. الكسرة ليست مجرد غذاء، بل هي قصة كفاح، ورمز للأصالة، والآن.. بات العالم كله يعرف قيمتها.