آخر الأخبار

حين تُختبر الدول: تأشيرة البرهان ورسالة القوة والثبات

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

ليس من السهل النظر إلى قرار الولايات المتحدة الأمريكية رفض منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تأشيرة الدخول إلى أراضيها للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة باعتباره مجرد إجراء إداري أو خلاف عابر حول تأشيرة دخول. فالمسألة، في جوهرها، تتجاوز شخص البرهان إلى معنى أوسع يتعلق بمكانة الدولة السودانية، وبحدود العلاقة بين الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة وبين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية.

 

 

 

إننا نرفض هذا القرار وندينه بصورة واضحة، لأنه يمس حق السودان في المشاركة الكاملة في أعمال المنظمة الدولية، ويتعارض مع روح الالتزامات التي ترتبت على استضافة الولايات المتحدة لمقر الأمم المتحدة. وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لعدم إصدار التأشيرة، ودعا الدولة المضيفة إلى الوفاء بالتزاماتها بما يتيح مشاركة رئيس السودان في أعمال الجمعية العامة.

 

 

 

وقد أثارت القضية، كذلك، جدلاً قانونياً ودبلوماسياً حول اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947، الذي يفرض على الدولة المضيفة عدم وضع عراقيل أمام وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير دبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة ربطت إصدار التأشيرة بالموافقة على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً، وهو ما لم تؤكده واشنطن بصورة مباشرة.

 

 

لكن، بعيداً عن التفاصيل القانونية والسياسية لهذا القرار، فإن الواقعة تحمل للسودان درساً آخر بالغ الأهمية: الدول لا تحمي مصالحها بالنيات الحسنة، ولا بالاستجداء، ولا بالتردد، وإنما بامتلاك عناصر القوة وبوضوح الموقف وبالثبات عليه.

 

 

هذه ليست دعوة إلى افتعال الصدام مع الولايات المتحدة، ولا إلى تحويل السياسة الخارجية إلى خصومة دائمة مع القوى الكبرى. بل العكس تماماً. الدول العاقلة تعرف أن العلاقات الدولية تقوم على المصالح المتبادلة، وأن الحكمة تقتضي إدارة الخلافات بأعلى درجات الرشد، وتجنب العداوات المجانية. ولكن الحكمة شيء، والضعف شيء آخر؛ والدبلوماسية شيء، والتنازل عن الإرادة الوطنية شيء آخر.

 

 

 

إن الولايات المتحدة، مثلها مثل سائر القوى الكبرى، تقرأ موازين القوة قبل أن تقرأ عبارات البيانات الرسمية. وهي قد تختلف مع دولة قوية، لكنها تحسب حساب مصالحها معها. وقد تضغط عليها، لكنها تعرف أن الضغط له حدود وتكلفة. أما الدولة التي تقدم نفسها في صورة مترددة، مرتبكة، قابلة للتراجع تحت الضغط، فإنها تفتح الباب أمام المزيد من الضغوط، ليس لأن الآخرين يكرهونها بالضرورة، وإنما لأن السياسة الدولية لا تعرف الفراغ.
القوة لا تعني امتلاك السلاح وحده.

 

القوة الاقتصادية قوة.

 

تماسك المؤسسات قوة.

 

وحدة القرار الوطني قوة.

 

الاستقرار السياسي قوة.

 

القدرة على الإنتاج قوة.

امتلاك الموارد وإدارتها بكفاءة قوة.

 

القدرة على بناء التحالفات المتوازنة قوة.

 

والأهم من ذلك كله: أن تعرف الدولة ماذا تريد، ثم تستطيع أن تقول ذلك بوضوح، وأن تتحمل كلفة موقفها عندما تقتضي الضرورة.
ولذلك فإن المشكلة التي ينبغي أن تشغلنا بعد حادثة التأشيرة ليست فقط: لماذا رفضت واشنطن منح البرهان التأشيرة؟ بل السؤال الأعمق: ما الذي ينبغي أن يفعله السودان حتى لا تصبح إرادته الوطنية رهينة لمزاج أي عاصمة، مهما كانت قوتها؟

 

 

إن الدول الكبرى لا تحترم الضعف، حتى عندما تتعاطف معه. وقد تساعد دولة ضعيفة في ظرف ما، لكنها لا تتعامل معها بالضرورة باعتبارها نداً سياسياً. أما الدولة التي تمتلك قرارها، وتعرف مصالحها، وتدافع عنها بثبات، وتملك أوراقاً حقيقية في الاقتصاد والسياسة والأمن والجغرافيا، فإن التعامل معها يصبح مختلفاً.

 

 

وهنا ينبغي أن نكون صريحين مع أنفسنا: السودان ليس بلداً فقيراً في عناصر القوة. لديه موقع جغرافي بالغ الأهمية، وموارد طبيعية هائلة، وأراضٍ زراعية واسعة، وثروة حيوانية، وذهب ومعادن، ومياه، وساحل طويل على البحر الأحمر، فضلاً عن عمق بشري وحضاري وثقافي كبير. لكن امتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية فاعلة شيء آخر.

 

 

لقد ظل السودان، لعقود، يملك إمكانات أكبر من قدرته على توظيفها. ولذلك فإن أحد أهم دروس هذه المرحلة هو ضرورة الانتقال من عقلية الدولة التي تنتظر ما يقرره الآخرون إلى عقلية الدولة التي تصنع خياراتها وتدافع عنها.

 

 

لا ينبغي للسودان أن يكون معادياً لأمريكا، ولا تابعاً لها.

 

لا ينبغي أن يكون تابعاً لأي محور، ولا خصماً دائماً لأي محور.

ينبغي أن يكون سوداناً صاحب قرار.

وهذا لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء دولة قوية من الداخل.

فالدولة التي تعاني اقتصادياً وتستورد معظم احتياجاتها، وتعيش على المساعدات، وتتنازع مؤسساتها، وتتعدد مراكز قرارها، وتختلف نخبها حول تعريف مصالحها الوطنية، سيكون من الصعب عليها أن تفرض إرادتها في الخارج مهما كانت بلاغة خطابها السياسي.

 

 

أما الدولة التي تنتج غذاءها، وتحمي حدودها، وتطور اقتصادها، وتبني مؤسساتها، وتوحد قرارها الخارجي، وتفتح أبوابها شرقاً وغرباً على أساس المصالح لا التبعية، فإن خياراتها تصبح أوسع، ومساحة الضغط عليها أضيق.

 

 

ومن هنا، فإن قضية تأشيرة البرهان ينبغي ألا تتحول إلى مجرد مناسبة للغضب على الولايات المتحدة ثم العودة إلى المربع نفسه. الغضب مفهوم، والإدانة مشروعة، لكن الأهم أن تتحول الواقعة إلى مراجعة وطنية عميقة.

 

علينا أن نسأل: لماذا تستطيع دولة واحدة أن تمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من الوصول إلى مقر المنظمة؟ ولماذا يصبح موقف السودان الدولي متوقفاً إلى هذا الحد على موقف عاصمة أجنبية؟ وما الذي نحتاج إلى بنائه حتى يصبح احترام سيادتنا أمراً تفرضه موازين المصالح، لا مجرد التزام أخلاقي نطالب الآخرين به؟

 

إن العالم لا يتحرك وفق الأمنيات.

والعلاقات الدولية لا تقوم على حسن الظن.

 

والقوة لا تُمنح، وإنما تُبنى.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تعتاد التنازل تحت الضغط، ثم يصبح التنازل سياسة، ثم يتحول إلى ثقافة، ثم يفقد الموقف الوطني معناه.
إن التردد والمواقف المهزوزة والمتذبذبة هي التي تغري الآخرين باحتقارك واستضعافك. أما الثبات، فلا يعني العناد، كما أن المرونة لا تعني الانحناء. الدولة القوية تستطيع أن تفاوض، وأن تتراجع عندما ترى أن المصلحة تقتضي ذلك، وأن تتقدم عندما ترى أن اللحظة تستوجب التقدم؛ لكنها تفعل ذلك من موقع القرار، لا من موقع الإملاء.

 

ولذلك فإن المطلوب من السودان ليس أن يرفع صوته أكثر، وإنما أن يرفع قدرته أكثر.
ليس المطلوب أن يهدد الآخرين، وإنما أن يجعل مصالح الآخرين مرتبطة بالتعامل معه.

 

 

ليس المطلوب أن يدخل في حرب دبلوماسية مع واشنطن، وإنما أن يبني سياسة خارجية متوازنة تجعل للسودان أصدقاء وشركاء في كل اتجاه، وتمنحه مساحة أوسع للمناورة، وتحفظ له استقلال قراره.

 

 

لقد كشفت حادثة التأشيرة أن السيادة ليست كلمة تُكتب في البيانات، وإنما قدرة متكاملة على حماية القرار الوطني. وكشفت أيضاً أن احترام الدول لا يبدأ في قاعات الأمم المتحدة، وإنما يبدأ من الداخل: من اقتصاد قوي، ومؤسسات متماسكة، وجيش وطني، وإدارة كفؤة، ومجتمع متماسك، وسياسة خارجية تعرف أين تقف وماذا تريد.

 

 

إن السودان لا يحتاج إلى أن يثبت أنه أقوى من الولايات المتحدة؛ فهذا ليس هو معيار المسألة أصلاً. ما يحتاجه السودان هو أن يصبح قوياً بما يكفي لكي لا يُعامل باعتباره دولة يمكن دفعها بسهولة في الاتجاه الذي يريده الآخرون.

 

 

وفي هذا السياق، فإن ما حدث للبرهان يجب ألا يُقرأ باعتباره إهانة لشخص، وإنما باعتباره اختباراً للدولة السودانية كلها. والاختبار الحقيقي ليس في كيفية الرد بالكلمات، وإنما في كيفية بناء القدرة التي تجعل كلمة السودان في المستقبل أكثر وزناً، وموقفه أكثر احتراماً، وقراره أكثر استقلالاً.
فالسياسة الدولية لا تحترم من يطلب الاحترام فقط، وإنما تحترم من يمتلك من عناصر القوة ما يجعل احترامه مصلحة للآخرين.

 

 

أمريكا تحترم الأقوياء، أو على الأقل تحسب لهم حساباً. وهذه ليست قاعدة أمريكية وحدها، وإنما واحدة من حقائق السياسة الدولية التي ينبغي ألا نتجاهلها.

 

ولذلك، فإن أفضل رد سوداني على قرار التأشيرة ليس الانفعال، ولا الشتائم، ولا الارتهان لمحور بديل، وإنما أن نبني السودان الذي يصعب ابتزازه، ويصعب عزله، ويصعب تجاهل مصالحه.

 

ذلك السودان لن يولد من البيانات.

 

 

سيولد من الثبات، والإرادة، والمؤسسات، والإنتاج، والاقتصاد، والوحدة الوطنية، والسياسة الخارجية المستقلة.وعندما يصبح السودان قوياً من الداخل، سيجد الآخرون أنفسهم مضطرين إلى التعامل معه من موقع الندية والمصلحة، لا من موقع الوصاية والضغط.