آخر الأخبار

إِذْ هَزَّكَ الشَّكُّ

 

مزار لعرج – المغرب:

تهرع كل الحشرات نحو الضوء الحارق، فلنلذ يا حبيبتي بعتمتنا الخالصة، فلننزل. لا شأن لنا بالماء الكثيف ولا بغسل هذه الحشرجة التي تقيم في رئاتنا، فلنصل لننفصل، كما انفصلت حواء عن آدمها وكما فارق ٱدم النعيم، فلنهوي، كل شيء يمر عبر تلك الغدران الراكدة. ماء أسود نسي كيف يرد صدى الصوت أو رجعه، فاحترف ابتلاع الأسماء واحدا بعد الآخر… اسمك، واسمي، وذاكرة النهار التي تركناها تتفحم في الأعلى.

كل ما يعتريك، ترمينه هنا، في مياه لم ترها الشمس قط فلم تتبخر، ولم تلمسها أفواه العابرين فلم تتكدّر، ويمتد الظل… كان كارنفون يحفر، ويهبط، ويسمع خشخشة الموتى في التابوت الحجري دون أن يجسر على إشعال شمعة ثانية، ونحن مثله تماما أو أقل قليلا، نطالع عتمتنا معبرنا الوحيد إلى الداخل الوثير

يمتد الظل أيضا، حتى يصبح المسار زقاقا ضيقا لا يسع إلا لخطوات يتيمة، خطوات تؤثث السكنات المريبة لهذا القاع

أتخافين مثلي؟

أنا خائف يا صديقة

فهذي الطريق إلى القاع

لعمري مظلمة وعميقة

كنت تمشين أمامي، صورة ظلية تمتص العتمة وترشح بالعبير الأخير للأرض العلوية. لا أدري كيف انقطعت خشخشة النعاس المائي، ومن أين أتى صفير أوتار قديمة تدوزن في الخفاء. لا أجيد العزف، أنا فقط أتبع الصوت في تمدده لأصعد بك فلا تقفي.

في أعماق هذه المغارة، كل ما يتردد أسمعه جيدا وأردده كي لا أنساه بغتة

ستسير أمامها

ستقودها صاعدا حتى تلمسا القطرة الأولى من نور الفجر. لكن، إن هزك الشك، إن حاولت التأكد من أن الجسد الذي يتبعك ليس مجرد صدى للريب، والتفت لحظة واحدة… ستخسر الظل والنور معا.

لم يسألا عن أسمائنا، لم يطلبا منا غير ما يهدد ما جبلت عليه إنسانيتنا من فضول ثمنا لخروجنا المعكوس نحو الصمت الأبدي.

صارت العتمة الآن مشحونة بالرعب. أنا في الأمام، أقيس المسافة بوقع أقدامك المرتعشة خلفي. الصخر يزلق، والأنفاس تتثاقل، وتلك الحشرجة في الرئة تستحيل زفيرا يحمل اسمك الممحّو. كل هواي، كل جنوني الملحوم بالرغبة في المساس، في الالتماس، في سماع مناغاتك، كان يجذب عنقي للوراء.

هل أنت حقا هناك؟ أم أن العتمة كادتني وزفت إلي جثة الوهم؟

صوت الشلال المكتوم يقترب، الهواء يبدأ في البرودة، وشعاع باهت، دقيق كالإبرة، يطعن الظلام من أعلى. شبران فقط عن الخلاص من هذا القاع.

أقاوم بجسارة رغبتي في الدوران للثمك والانصهار فيك، هي لحظات فقط، فما لها تطول متمردة على الزمن الكوني.

كان صوت انزلاق حصاة صغيرة خلفي، أعقبه همس كالنحيب. خاف قلبي أن تكوني قد هويت في الماء الأسود. تجمدت ركبتي، وبدأت العضلات في رقبتي تلتوي غصبا عني، تدور بإنشات قاتلة نحو الخلف… حبيبتي، لم أحتمل الشك، أدرت رأسي، فتلاشى ظلك في المدى الكالح، ووقفت وحدي كجَمَل أسطوري نَفَذَ زاده في أعمق المفازات؛ يحمل على كاهله هودجا خاويا، ويشرب من ظمئه كي لا يقع. يوريديس أدرت رأسي، فاستحضرت التفاحة والبومة والاتصال، ما بدأ بانفصال.. ينتهي دائما كذلك.