آخر الأخبار

عقب دعوة الرباعية لتنفيذه.. إتفاق جدة بين الممكن والمستحيل

عاد لدائرة الأحداث بقوة

 

تقرير- الطيب عباس:

عاد إتفاق جدة لسلام السودان لدائرة الأحداث بقوة، بعد 18 شهرا من التوقيع عليه بين الحكومة السودانية ومليشيا الدعم السريع، ورغم أن الاتفاق وقتها حال تم تطبيقه كان يمكن أن يجنب كثير من الانتهاكات التي طالت الشعب السوداني وممتلكاته، لكن المليشيا التي وقعت على الإتفاق عادت وتراجعت عن التزاماتها ولم تنفذ حرفا واحدا منه
اجتماع الآلية الرباعية:
أمس الأول الإثنين، عقدت الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، اجتماعا عقد في ايطاليا على هامش اجتماعات وزراء مجموعة السبع، وخرجت بموقف مشدد طالبت من خلاله بضرورة تنفيذ التزامات إتفاق جدة لإنهاء الحرب بين الجيش ومليشيا الدعم السريع.
ردود الأفعال:
ردود السودانيين في وسائل التواصل الاجتماعي تباينت حيال إحياء الرباعية لإتفاق جدة بين مؤيد ومعارض ومستغرب, المؤيدون يرون أن الجيش وشعبه ظلوا يطالبون مرارا بتنفيذ اتفاق جدة، كخيار سلمي وحيد لإنهاء الحرب، بينما يعتبره المعارضون (مطبات) لإعاقة التقدم العسكري الملموس الذي ظل يحرزه الجيش في كافة ميادين القتال، بينما أبدى البعض استغرابه من إعادة بث الروح في اتفاق جدة في هذا الوقت، الذي بدأ فيه الجيش حرفيا في تنفيذ الاتفاق عسكريا، من خلال إخراج المليشيا من المنازل والأعيان المدنية في ولاية سنار ومناطق أخرى بالقوة.
مياه تحت الجسر:
يرى مراقبون أن مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ تاريخ توقيع الإتفاق في مايو من العام 2023، وحتى اليوم، سيما وأن إتفاق جدة ببنده الذي يتحدث عن تجميع القوات في أماكن متفق حولها لتخييرها بعد ذلك بين التسريح أو الدمج في الجيش السوداني، لم يعد مرضيا عنه وسط قطاعات واسعة من الشعب السوداني، التي تضررت بشكل كامل من المليشيا على مدار عام ونصف.
يقول مراقبون أن الحكومة ستواجه بمعضلة حقيقية تتمثل في رفض واسع حيال تنفيذ هذا الجند، لأن الشعب الذي تعرضت حرائره للاغتصاب وأمواله للنهب ومورست بحقه جرائم القتل والترويع والاذلال من قبل عناصر المليشيا لن يقبل بهم جنودا بقواته المسلحة.
الموقف الرسمي:
الحكومة السودانية، فيما يبدو من تصريحات مسؤوليها، لا تعتبر جدة إتفاقا منتهي الصلاحية، وبالمقابل لم تعد متحمسة له، حيث رهن رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقف الحرب بإنسحاب المليشيا من المدن ومنازل المواطنين، وهو أحد بنود اتفاق جدة.
وقال البرهان في كلمته بمناسبة عيد الجيش في 14 أغسطس الماضي، إن طريق السلام بالسودان واضح ويبدأ بتطبيق ما تم الإتفاق عليه بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع خلال المحادثات التي جرت بمدينة جدة السعودية في مايو 2023
صحيح أن تصريحات البرهان الأخيرة، سيما بعد العملية الواسعة التي بدأها الجيش في خواتيم سبتمبر الماضي، لم تكن تحفل باتفاق جدة كثيرا، وكانت تنحصر مجملها حول رؤية واحدة لإنهاء الحرب تتمثل في استسلام أفراد المليشيا، وعبر البرهان صراحة عن هذه النقطة في أخر خطاب له في مؤتمر قضايا المرأة بشرق السودان، يوم الاثنين الماضي، بقوله إن باب التوبة مفتوح لكل من وضع السلاح وجنح للسلم.
الوضع الآن:
حتى الساعة، لم ترد وزارة الخارجية السودانية، على اجتماع الرباعية في ايطاليا، الذي يطالب بالعودة لتنفيذ اتفاق جدة، لكن مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، حسن حامد، طالب المجتمع الدولي خلال مخاطبته فعالية نظمتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان يوم الاثنين، بالضغط على مليشيا الدعم السريع لتنفيذ ما نص عليه اتفاق جدة، والخروج من الأعيان المدنية ومنازل المواطنين والانسحاب فورا خارج المدن وسحب الارتكازات.
ويرى مراقبون أن الحكومة السودانية لم تعد متحمسة لإتفاق جدة وبالمقابل ليست رافضة له، حال تم تنفيذه وفق رؤيتها، مشيرين إلى التطورات في الميدان تجعل الحكومة السودانية غير ميالة لهذا الإتفاق الذي يبطئ سلسلة انتصارات الجيش من أجل الإتفاق مع مليشيا لا تأتمر تحت قيادة واحدة ولا أحد لديه سلطانا عليها.
صعوبة التنفيذ:
يبرر مراقبون فتور التعاطي السوداني الرسمي مع إتفاق جدة، ليقين القيادة السودانية بصعوبة تنفيذ الإتفاق مع قوات تعيش في جزر معزولة وغير خاضعة للمؤسسية، حيث أن جنود الدعم السريع الذين كانوا مدرجين في كشوفات ويتحصلون على رواتب من وزارة المالية ويحملون رتبا عسكرية من الدولة ويتقيدون بالقوانين لم يعودوا موجودين وحل محلهم مليشيات أجنبية لا تستخدم حتى لغة واحدة في التواصل بينهم، وكشفت تصريحات القائد السابق للمليشيا بالجزيرة أبو عاقلة كيكل عن جزء من طبيعة هذه القوات وعن هذه الطبيعة المتوحشة للمليشيات.. هذه القوات بوضعها هذا يبدو معها تنفيذ اتفاق جدة ضربا من المستحيل، إن لم يكن المستحيل عينه بحسب مراقبين.
ويؤكد مراقبون أن الحكومة ستظل تجاري المجتمع الدولي فيما يتعلق بقبولها اتفاق جدة، لكنها تدرك أن الاتفاق لم يعد مجديا من ناحية التنفيذ وأن الحسم العسكري وفتح خيار للتسليم الفردي هو الحل للقضاء على هذا السرطان
فجر السودانيين:
غض النظر عن الانخراط في تنفيذ الإتفاق من عدمه، فإن الجيش السوداني وفقا لتصريحات قائده العام مستمر في الحسم العسكري دون توقف، نافيا في ذات الوقت أي عملية سياسية مع أي جهة، وحتى يستبين فجر إتفاق جدة، فإن الجيش السوداني سيستمر في صناعة فجر السودانيين عبر فوهات البندقية، فجر يستيقظ فيه السودانيين آمنين دون خوف ومطمئنين دون لوع.