ما أصعب خيانة الجار
بأقلام القراء
في حرب السودان لم تكن البنادق وحدها هي التي أدمت الوطن، بل كانت هناك طعنات أقسى وأوجع، جاءت من حيث لا نتوقع، من الجار.. الجار الذي تقاسم معنا الماء والملح، وضحك معنا في الأفراح، وتعزّى معنا في الأحزان، فإذا به ساعة المحنة يتحول إلى عينٍ ترصد، ولسانٍ يدل، ويدٍ تسرق، وقلبٍ بلا رحمة.. لقد كشفت هذه الحرب، بلا مواربة، عن حقدٍ طبقيٍّ مكتوم ظلّ ساكنًا تحت الرماد سنوات طويلة، حقدٌ غذّته الفوارق، وسقته الشائعات، وأيقظته الفوضى، ومع أول ارتباك للأمن، خرج هذا الحقد عاريًا، بلا خجل ولا خوف.. في كثير من المدن والأرياف، لم يكن الخطر فقط في المليشيا التي إقتحمت البيوت، بل في الجار الذي دلّها على البيوت.. بيت فلان فيهو ذهب.. وبيت علان أهله غادرو.. هذه الاسرة مستورة.
للأسف، تحولت بعض الأحياء إلى خرائط خيانة، وتحوّل بعض الجيران إلى مخبرين، لا بدافع الإكراه وحده، بل أحيانًا بدافع الطمع، أو الإنتقام الإجتماعي، أو الشعور الزائف بأن هذه الحرب فرصة لتسوية الحسابات.. هذا يحدث حين يسقط السور الأخلاقي.. ما حدث ليس سرقة ممتلكات فحسب، بل إنهيار لقيم الجيرة التي شكّلت أحد أعمدة المجتمع السوداني عبر تاريخه.. الجيرة في السودان لم تكن مجرد قُرب جغرافي، بل عقدًا أخلاقيًا غير مكتوب: (الجار قبل الدار)، لكن الحرب كسرت هذا العقد عند البعض.
رأينا بيوتًا نُهبت بعد أن فُتحت أبوابها بالمفاتيح التي كانت محفوظة (أمانة)عند الجيران.. ممتلكات تُباع في وضح النهار، والعار يمر أمام الناس دون أن يوقفه أحد.. انها (خيانة بلا أعذار)، فقد يحاول البعض تبرير ذلك بالجوع أو الخوف أو الفوضى، لكن الحقيقة المرة أن الخيانة خيارا، وليست قدرًا.. فالجوع لا يبرر الوشاية، والخوف لا يبرر الدلالة على الجيران، والفقر لا يبرر التشفي.. لقد صمد كثيرون رغم الجوع والخطر، وحموا بيوت غيرهم، وخبّأوا ممتلكات جيرانهم، ورفضوا أن يكونوا جزءًا من الخراب،
وهؤلاء هم الوجه الآخر للسودان، الوجه الناصع الذي يجب أن نرفعه عاليًا.. خيانة الجار يا هؤلاء
أثر لا يُمحى ومنكر لا ينتهي بإنتهاء الحرب، آثارها ستبقى لسنوات في انعدام الثقة داخل الأحياء
وفي تفكك النسيج الاجتماعي، وفي نظرة الشك التي ستسكن العيون.. كيف ستعود الحياة الطبيعية، والجار يعرف أنه خان، والمخون يعرف من خانه؟، كيف سنعيد بناء البيوت، إذا كانت القلوب ما زالت مهدمة.
هذا العمود لا يكتب للإتهام الأعمى، بل لفتح النقاش الصريح.. كيف نعالج هذا الشرخ الأخلاقي؟
هل نملك شجاعة الإعتراف بما حدث داخل مجتمعاتنا؟، وكيف نعيد تعريف الجيرة بعد الحرب؟
السودان لن يُبنى بالأسمنت وحده، بل بإعادة بناء القيم.. وأصعب ما نحتاج لترميمه ليس الطرق ولا الجسور، بل الضمير، لأن الرصاصة قد تقتل جسدا، لكن خيانة الجار تقتل وطنا كاملا.. دمتم سالمين ودام الوطن معافى من الخونة.
باسل محجوب زيادة- الخرطوم بحري