آخر الأخبار

تعقيب على ما أثارته (أصداء سودانية) حول إحتراق ملفات بعض محاكم امدرمان أثناء الحرب

 

  • حرق ملفات الدعاوى بسبب الحرب لا يسقط الحق ولا الدعوى
  • بقلم الأستاذة- رضا حسين حلواني- المحامي

 

بصفحة (حضرة المسؤول) بصحيفة (أصداء سودانية) الصادرة الثلاثاء 20 يناير 2026 … نشرنا تحت عنوان: (أصحاب القضايا في حيرة من أمرهم.. إحتراق ملفات القضايا بمحاكم امدرمان)، عكسنا من خلاله تصريحا لرئيس الجهاز القضائي امدرمان مولانا، حمد سعد الله عبد الله نمر، ان لجنة حصر ملفات القضايا التالفة والمحروقة بواسطة المليشيا المتمردة توصلت بعد إنتهاء عملها بان كل الملفات بمجمع محاكم امدرمان بالسوق الشعبي، ومجمع محاكم ام بده، ومجمع جنايات ام بده، ومجمع محاكم دار السلام، قد تعرضت للحرق بواسطة المليشيا المتمردة، ما جعل أصحاب الملفات القضائية في حيرة من امرهم، يتسائلون عن مصير قضاياهم بعد حرق ملفاتها.. مشكورة بعثت للصحيفة الأستاذة، رضا حسين حلواني، المحامي، هذذا التعقيب على ما أثرناه في الصحيفة، واضعة النقاط على الحروف، مشيرة ان هلاك ملف الدعوى بسبب الحرب لا يسقط الحق، ولا الدعوى، ولا يترتب جزاء على أي طرف.. فليطمئن أصحاب الملفات المحترقة.. ولعل تعقيب الأستاذة، رضا حسين حلواني، والذي ننشره كاملا لأهميته، ولكونه يزيل علامات الحيرة والقلق من أصحاب القضايا والملفات الحروقة.. تقول الأستاذة، رضا حلواني:

القانون السوداني، مثل غيره من القوانين، يقوم على مبدأ أساسي هو أن الإنسان لا يُحاسَب على أمر خرج عن إرادته، والحرب تُعد في القانون قوة قاهرة، أي ظرفًا استثنائيًا يستحيل معه على المواطن أو القاضي أو المحامي القيام بواجباته المعتادة، وبناءً على ذلك، لا يجوز قانونًا تحميل المتقاضين نتائج ما حدث من تلف أو هلاك للملفات.. والسؤال المطروح هنا: هل تسقط القضايا بتلف ملفاتها؟.. الإجابة الواضحة (لا)، فتلف ملف الدعوى لا يعني سقوط الحق، ولا يعني إنتهاء القضية، ولا يُرتب أي جزاء على المواطن، فالملف هو وعاء للإجراءات، أما الحق نفسه فهو ثابت، ولا يسقط إلا بحكم قضائي أو بنص قانوني صريح، وهو ما لا ينطبق على حالات الحرب.

أولًا: التكييف القانوني لحالة تلف أو هلاك ملفات الدعاوى بسبب الحرب:

ففي جميع النظم القانونية تقريبًا، الحرب تُعد قوة قاهرة لا يد للقضاء أو الخصوم فيها، يستحيل معها حفظ المستندات أو مباشرة الإجراءات ويترتب عليها وقف أو تعذّر السير في الخصومة.. وبالتالي لا ينسب الخطأ لأي طرف:

ثانيًا : الموقف وفق القانون السوداني

رغم عدم وجود نص تفصيلي خاص بـهلاك ملفات بسبب الحرب، إلا أن المعالجة تتم عبر القواعد العامة

في قانون الإجراءات المدنية والتي تتمثل في:

ــ للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في إدارة الدعوى.

ــ يجوز إعادة السير في الدعوى متى زال السبب القهري.

ــ لا تسقط الحقوق الإجرائية بسبب قوة قاهرة.

إعادة تكوين الملفات:

ــ يجوز للمحكمة طلب صور المستندات من الخصوم.

الإعتماد على صور الأحكام، والإيصالات، ومحاضر الشرطة، والسجلات الإدارية، وسماع الشهود لإثبات ما كان ثابتا بالملف.

ثالثا:التقادم

التقادم يُوقف أثناء الحرب لتعذر التقاضي ولا يُحتج به ضد المتضررين

الرأي الراجح:

يجب إصدار منشورات قضائية بإعادة قيد الدعاوى المتلفة دون رسوم أو جزاءات.

القوة القاهرة: الحرب تُعد مانعًا يوقف المواعيد الإجرائية

التقادم: لا يجوز معاقبة الخصوم على عدم اتخاذ إجراء مستحيل.

مبدأ مستقر: لا يُكلف الخصم بإجراء يستحيل عليه القيام به.

رابعا: ما المطلوب عمليًا؟

أولًا/ من السلطة القضائية:

ــ إصدار قرارات عامة باعتبار تلف الملفات بسبب الحرب قوة قاهرة.

ــ فتح باب إعادة قيد الدعاوى.

ــ إعادة تكوين الملفات.

وقف التقادم والمواعيد.

ــ التيسير في الإثبات

ــ إعفاء المتضررين من الرسوم.

ثانيًا:المطلوب من الجهات العدلية (النيابة – وزارة العدل) إنشاء لجان حصر الملفات التالفة ــ جمع أي نسخ إلكترونية أو ورقية ــ التعاون مع المحامين والنقابات ــ

إصدار شهادات رسمية بإثبات تلف الملفات بسبب الحرب.

ثالثًا: المطلوب من المواطنين المتضررين:

تقديم طلب إعادة قيد الدعوى ــ إرفاق أي مستند متوفر ولو صورة ــ الإستعانة بالشهود ــ عدم القلق من التقادم أو سقوط الحق ــ التحرك فور استقرار الأوضاع.

خلاصة قانونية مهمة:

هلاك ملف الدعوى بسبب الحرب لا يسقط الحق، ولا الدعوى، ولا يُرتب جزاءً على أي طرف، والواجب على الدولة هو إحياء العدالة لا دفنها تحت أنقاض الحرب.. إن معالجة آثار الحرب على العدالة ليست مسألة إجرائية فحسب، بل إختبار حقيقي لمدى إلتزام الدولة بحماية حقوق مواطنيها، فالتيسير في إعادة القضايا، والتوسع في الإثبات، واعتبار الحرب قوة قاهرة، ليست تنازلات عن القانون، بل تطبيق صحيح لروحه ومقاصده.. العدالة التي تعجز عن إنصاف المتضررين في الظروف الاستثنائية تفقد معناها، أما العدالة التي تتكيف لتحمي الحقوق، فهي التي تُعيد الثقة وتُمهّد للإستقرار.. والله ورسوله أعلم.