آخر الأخبار

قصة شارع “ستة إلا ربع” في مدينة دير الزور: تاريخ، حب، وذاكرة لا تموت

 

بقلم . أحمد الشامي 

جيبوتي

في عام 2008 ، كنت طالبًا في جامعة اللاذقية، تلك المدينة الساحرة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط. وكجزء من دراستي الجامعية في كلية الزراعة وإدارة البيئة، أتيحت لنا فرصة استثنائية لزيارة مختلف المدن السورية بهدف التعرف على تنوع ثقافاتها وجمال طبيعتها، ومن بين هذه الرحلات كانت رحلتنا إلى مدينة دير الزور، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، والتي تحمل بين طرقاتها عبق التاريخ.
كانت دير الزور مدينة تأسر الألباب بتنوعها الثقافي والتاريخي. هذه المدينة التي تحولت في العهد العثماني إلى مركز تجاري هام يعبره التجار والقوافل، أصبحت خلال العقود التالية رمزًا للحضارة والثقافة في سوريا. تحوي دير الزور معالم أثرية عظيمة مثل مدينة البصيرة التي يعود تاريخها إلى العصرين الروماني والإغريقي، و”صالحية الفرات” التي تضم آثار دورا أوربس من الحضارات الرومانية، الفارسية، التدمرية، وغيرها.
إحدى المحطات التي أثرت في رحلتنا كانت زيارة “البيت الروماني”، الذي يعد متحفًا ميدانيًا يعرض آثارًا تم اكتشافها عبر بعثات أثرية أوروبية وسورية، وهو دليل حي على تنوع الحضارات التي مرت على هذه الأرض.
لكن أكثر ما لفت انتباهي في هذه المدينة لم يكن معلمًا أثريًا، بل شارع صغير يحمل اسمًا غريبًا: شارع “ستة إلا ربع”. كان لهذا الشارع قصة أسرتني، قصة حب ومأساة لا تزال تُروى جيلاً بعد جيل.
بينما كنت أبحث عن بعض الهدايا التذكارية من السوق المحلي، وجدت نفسي أسير في شارع يعج بالمارة والمحال التجارية. كان الجو مليئًا بالحركة، ومع ذلك كان هناك شعور غامض يشعرك بأن هذا المكان يحمل سرًا دفينًا.
جلست في أحد المقاهي الصغيرة لأخذ قسط من الراحة. هناك التقيت برجل مسن، تبدو على وجهه ملامح الحكمة والهدوء. بادرته بالسلام وسرعان ما دار بيننا حديث ودود. عندما أخبرته أنني من جيبوتي، ابتسم بفخر وقال: “جيبوتي؟ بالطبع أعرفها! نحن السوريين ندرس تاريخ الدول العربية في مدارسنا.”
تعمق حديثنا، وحين لاحظت فضولي تجاه اسم الشارع، سألته مباشرة: “لماذا يُسمى هذا الشارع ‘ستة إلا ربع’؟” تغيرت ملامحه فجأة، وأخذ نفسًا عميقًا وكأنه يستعيد ذكرى حزينة، ثم بدأ يروي القصة.
منذ سنوات طويلة، حين كان الشارع يُعرف باسم “شارع الميسات”، عاش شاب وفتاة صغيران قصة حب بريئة. كانا يلتقيان كل نهاية أسبوع عند نفس الزاوية، وموعدهما الثابت كان الساعة السادسة إلا ربع مساءً.
كان الشاب يقف كل مرة في انتظار محبوبته، يحمل لها الزهور ويخطط لحديثهما الذي يضفي السعادة على قلبيهما. ولكن في يومٍ مشؤوم، بينما كان الشاب ينتظر كعادته، مرت جنازة عبر الشارع.
اقترب الشاب من المشيعين ليسأل عن المتوفى، فجاءه الجواب كالصاعقة: “إنها الفتاة التي تنتظرها.” تجمد الشاب في مكانه، لم يستطع تصديق ما سمعه. بكى بحرقة في وسط الشارع، وعاد إلى منزله محطماً. لكن القصة لم تنتهِ هنا؛ بعد ساعات قليلة، عُثر عليه ميتًا في غرفته. قيل إنه مات من شدة حزنه عليها.
تكريمًا لهذه القصة الحزينة، أطلق سكان المدينة اسم “شارع ستة إلا ربع” على المكان، ليخلدوا ذكرى الشاب والفتاة الذين عاشا حبًا طاهرًا، لكن القدر لم يمهلهم ليكملوا حكايتهم.
على مر السنين، أصبح شارع “ستة إلا ربع” رمزًا للعشق الخالد. أصبح مكانًا يلتقي فيه العشاق، وكأنه شاهد على قصص الحب التي لا تنتهي. البعض يفسر الاسم بطريقة أخرى، مشيرين إلى أن “ستة إلا ربع” يُطلق على من يهتم بقضايا الحب والغرام، ويعتبرونه غير ناضج في اهتماماته. ولكن بالنسبة لأهالي دير الزور، يبقى هذا الشارع شاهداً على قصة الحب المأساوية التي أصبحت جزءًا من هوية المدينة.
بينما كان الرجل ينهي روايته، شعرت بأنني لا أجلس في شارع عادي. هذا المكان الذي مررت به صدفة أصبح في ذاكرتي رمزًا للحب، للتضحية، وللألم الذي يحول اللحظات العابرة إلى ذكريات خالدة.
شارع “ستة إلا ربع” ليس مجرد شارع في مدينة دير الزور، بل هو قصة محفورة في وجدان المدينة، تعكس جمال الحب وبراءته، وقسوته في الوقت ذاته. ربما نُسيت أسماء الشاب والفتاة، لكن حبهما سيبقى حيًا في ذاكرة المدينة التي تحتضن قصتهما للأبد.

*مستشار وزير الثقافة والشباب في جيبوتي