آخر الأخبار

عصابات الدعم السريع… جرائم مُفزعة في حق أطفال السودان (1 ــ 2)

  • المليشيا تتسبب في زيادة أعداد الأطفال الأيتام
  • حكاية الطفل (سيف) الذي يعمل في السوق 10 ساعات يوميا لإعاشة شقيقاته الثلاث وأمه المريضة
  • فرجينيا.. مسوؤلة ملف الأطفال بالأمم المتحدة ماذا فعلت في ملف الجرائم ضد الأطفال

أصداء سودانية – التاج عثمان
مليشيا الدعم السريع تسببت في حربها التي شنتها على الدولة السودانية في محن ومصائب ومآسي كثيرة يعجز القلم عن تصويرها.. وأشدها قساوة الجرائم المفزعة التي إرتكبتها في حق أطفال السودان وتسببت في تهجيرهم من قراهم ومدنهم وأغلقت مدارسهم لسنتين متواصلتين.. المليشيا المتمردة تسببت في إصابة الاف الصغار بسوء التغذية.. مليشيا الجنجويد تسببت في مقتل آلاف الاطفال دون رحمة بالقصف العشوائي لقراهم.. والكارثة الإنسانية الكبرى المسكوت عنها ان آلاف الأطفال صاروا ايتاما بعد مصرع آبائهم على ايدي قوات الدعم السريع المتمردة.. التحقيق التالي يكشف تفاصيل المحن والمآسي التي أصبح يعاني منها آلاف أطفال السودان بسبب وحوش ومرتزقة الدعم السريع
أطفال الدرداقات:
عشرات الأطفال دون العاشرة شاهدتهم يخرجون يوميا من مراكز إيواء النازحين بمدارس مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار ــ قبل التحريرــ والتي إستقبلت الآلاف منهم من الخرطوم وود مدني داخل مدارسها.. سوق سنجة الكبير والسوق الشعبي يمتلئان بالمئات من أطفال النازحين الذين يعملون في نقل الخضار بواسطة الدردقات، والأصغر سنا يبيعون الأكياس او النعناع، اما الصبايا من النازحات فبعضهن يعملن في غسل الملابس بالمنازل.. (سيف) طفل صغير لفت إنتباهي في سوق سنجه الكبير وهو يقود درداقة مليئة بالخضار من بصل وبطاطس وطماطم وبامية وملوخيه وغيرها، وهي تنوء بحملها الثقيل على بنيته النحيفة وعمره الصغير، يجرها امامه بصعوبة متوجها بها في مشوار لأحد المطاعم الشعبية المتاخمة للسوق.. دار بيننا الحوار القصير التالي قبل إحتلال سنجة بواسطة الجنجويد بحوالي الإسبوعين، حواري مع الطفل الصغير يكشف ويلخص الواقع المؤلم الذي عانى ويعاني منه آلاف الأطفال بمعظم مدن البلاد الأخرى بسبب الحرب:
* سألته: كم عمرك يا إبني؟
ــ 8 سنوات.
*من اين نزحت لسنجه مع أسرتك؟
ـ من أمبده، فبعد إندلاع القتال في الخرطوم نزحت مع أسرتي لود مدني، وبعد إحتلالها بواسطة الدعم السريع نزحنا للمرة الثانية لمدينة سنجة، حيث نقيم في مركز إيواء بمدرسة الأساس بالحي الشمالي.
*هل إلتحقت بالمدرسة في أمبده قبل الحرب؟
ــ اجل كنت في الصف الثاني عند إندلاع الحرب التي تسببت في تشريدنا وعدم إنتظامنا في الدراسة رغم انني كنت من المتفوقين من الصف الأول للثاني.
*ولماذا لجأت للعمل في السوق؟
ــ لدي ثلاث شقيقات أصغر مني ووالدتي اما والدي فلا نعلم مكانه.
*لكنك صغير للغاية وانت تقوم بهذا العمل الشاق لطفل في مثل عمرك الصغير؟
ــ اعمل شنو يا أستاذ، المعايش جبارة فالحرب وقفت حالنا، وانا كبير البيت ولذلك قررت العمل في الدرداقة لأطعم والدتي التي لا تعمل لمرضها وشقيقاتي الصغيرات اللاتي لا عائل لهن غيري.
*كم ساعة تعمل في السوق؟
ــ اخرج من مركز الإيواء مبكرا صباح كل يوم واقوم بإستئجار درداقة من السوق بمبلغ 100 جنيه وأظل اعمل بها في نقل مشتريات المواطنين لمنازلهم او لموقف المواصلات المجاور لسوق سنجه الكبير حتى المغيب.
*وكم تكسب في اليوم من عملك المرهق هذا؟
ــ حوالي 10 جنيهات في اليوم، اشتري منها خبزا وقليل من الطماطم والبصل واقوم بتقطيعها وعملها وجبة سلاطة بنفسي لأن والدتي مريضة طريحة الفراش وشقيقاتي صغار، وأحيانا أخلطها بالدكوة لو زاد دخلي أكثر.
*كم تقدر عدد الأطفال النازحين الذين يعملون عمالا في الدرداقات بسوق سنجه الكبير؟
ــ أكثر من 200 طفل.
*هل سمعت بمفوضية اللاجئين؟
ــ أجل سمعت بها وحضر مناديب منهم لمركز الإيواء وقدموا لنا كمية من العدس والدقيق لكن نصيب الأسرة قليل نظرا لكثرة النازحين داخل المركز، وأحيانا يقدم لنا بعض فاعلي الخير بعض المواد الغذائية، وهناك فاعل خير يقوم بطبخ حلة كبيرة بليلة عدسي يوميا.
رعب فرجينيا:
هذا الواقع ينسحب على الكثير من الأطفال الذين عصفت بهم الحرب وشردتهم من مدنهم وقراهم ومنازلهم وأغلقت مدارسهم، واصابت صحتهم النفسية في مقتل، وأزهقت أرواح بعضهم، وعرضتهم للعنف من جانب مليشيا الدعم السريع.. ففي يونيو الماضي وثقت الأمم المتحدة خلال عام واحد فقط 2168 انتهاكا خطيرا على المدنيين من الدعم السريع منهم حوالي 1913 طفلا.. وحسب المنظمة الأممية شملت الإنتهاكات القتل والتشويه لنحو 1525 طفلا، والتجنيد القسري للأطفال وإستخدامهم في القتال بمعدل 277 حالة خلال عام واحد.. وفي هذ الصدد أطلقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بملف الأطفال فرجينيا جاميا أطلقت تصريحا مقتضبا تخللته عبارات غاضبة بقولها
“العنف الممارس ضد الأطفال في السودان وصل إلى مستويات مرعبة.. وانا مرعوبة حقيقة من مستوى العنف الذي يؤثر على الأطفال والتدمير الواسع النطاق للبنية التحتية المدنية خاصة المدارس”.
والسؤال هنا: ماذا فعلت الأمم المتحدة ممثلة في ملف الأطفال في جرائم مليشيا الدعم السريع التي تسببت في كل هذا الرعب للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بملف الأطفال فرجينيا جاميا لإيقاف كل هذا العنف والرعب ضد أطفال السودان؟.. الإجابة لا تخفى على أحد، مجرد تصريحات والسلام بينما هناك الملايين من أطفال السودان خارج مدارسهم، مشردون، نازحون، هائمون على وجوههم داخل معسكرات النزوح او بالمدن المضيفة مع عائلاتهم او بدونهم بعد إنفصال المئات عن ذويهم بدليل ما ينشره بعض الناشطين ببعض مواقع التواصل الإجتماعي في لم شمل هذه الشريحة من الأطفال الذين وصلوا المناطق الآمنة بدون عائلاتهم.. منظمة أطباء بلا حدود لم تخفي قلقها بان واحدا من كل 6 اشخاص تلقوا علاجا بإحدى مستشفياتها بالخرطوم من إصابات القتال كانوا أطفالا.
قلق اليونيسيف:
اليونيسيف من جانبها أبدت قلقها وأطلقت بعض التصريحات التي لا تجدي مع واقع أطفال السودان الحالي المؤلم والذي يحتاج (لأفعال) وليس (اقوال)، مشيرة ان حرب السودان تسببت في حرمان 17 مليون طفل من التعليم، و3.7 مليون طفل يواجهون خطر الموت جوعا بسبب سوء التغذية الحاد، فهناك واحد من كل ثلاثة أطفال في السودان يعاني من سوء التغذية ففي ولاية جنوب دارفور سجلت وزارة الصحة حوالي 400 حالة سوء تغذية حاد وذلك بمحليات تلسي ودموا والسنطة، وهناك أكثر من 500 حالة سوء تغذية وسط النساء الحوامل.
قد لا تعلم اليونيسيف ان المليشيا المتمردة تسببت في خلق واقع جديد في السودان وهو تزايد الأطفال الأيتام بعد الحرب بسبب تصفية الدعم السريع لآبائهم وأمهاتهم معظمهم بولايات دارفور والجزيرة والخرطوم، وبعض الناشطين في مجال حماية الطفولة يقدرون عدد الأطفال الآيتام الذين فقدوا آبائهم نتيجة القتال او بالتصفية المباشرة من مليشيا الدعم السريع بعد الحرب بالآلاف، مشيرين ان هذا واقع جديد في السودان سيكون له إفرازاته الخطيرة والمدمرة في نفوس الأطفال الأيتام إذا لم تتعامل الدولة والمجتمع ومنظمات المجتمع المدني مع هذا الواقع بالصورة المطلوبة.
الحلقة القادمة:
أم أيتام تكشف لـ(أصداء سودانية) فصول مؤلمة لمعاناة أبنائها وبناتها الأيتام المرضى بسبب الحرب.