من جريمة حرب إلى جريمة قتل: قراءة قانونية لهجمات المليشيا على المدنيين
- ما يحدث في السودان يتجاوز توصيف (جرائم الحرب) إلى جرائم قتل عمد
- قصف الكهرباء يُطفئ القدرة على النجاة في حضانات الأطفال وقلوب العائلات
د. عبدالناصر سلم حامد – مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، برز نمط واضح من استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية. لكن بداية عام 2025 مثّلت منعطفًا أخطر، مع تصاعد استخدام قوات الدعم السريع للطائرات المسيّرة في تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف خالية تمامًا من الطابع العسكري. الحرب لم تعد تدار في الجبهات فقط، بل امتدت إلى غرف الطوارئ، محطات الكهرباء، شبكات المياه، وأبراج الاتصالات. المدنيون باتوا أهدافًا مباشرة لسلاح يُفترض أن يكون ذكيًا، لكنه يُستخدم الآن خارج أي ضوابط قانونية أو أخلاقية
استهداف المستشفى السعودي:

في 24 يناير، استهدفت طائرة مسيّرة مستشفى السعودي للأمومة بمدينة الفاشر، ما أسفر عن مقتل أكثر من 70 شخصًا، أغلبهم نساء وأطفال. كانت ضربة مباشرة لقسم الطوارئ، وقعت في وضح النهار، دون اشتباك أو نشاط عسكري في المنطقة. وصف أحد الأطباء الناجين المشهد قائلًا: تحولت غرفة العمليات إلى حفرة, لم نكن نتصور أن مستشفى ولادة سيكون هدفًا عسكريًا, لم يكن هذا الهجوم استثناءً، بل مقدمة لسلسلة من الضربات الممنهجة التي استهدفت المرافق الحيوية في مناطق متفرقة من البلاد.
كهرباء مروي:

ففي مطلع فبراير، قصفت طائرات مسيّرة محطة كهرباء مروي، إحدى أكبر محطات التوليد في السودان، مما أدى إلى توقف شبه كامل في تغذية ثلاث ولايات رئيسية بالشبكة القومية. وبعدها بأيام، طال القصف محطة الشوك بولاية القضارف، ما تسبب في انقطاع الكهرباء والماء عن مناطق شاسعة، وسبّب شللًا في المستشفيات والمدارس ومحطات الضخ. ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ امتد ليشمل محطات فرعية في ولايتي سنار وكسلا، مع تسجيل أضرار بالغة في أبراج الضغط العالي وخطوط النقل القومية, وغالبًا ما نُفّذت هذه الضربات في أوقات الذروة، مثل المساء أو الفجر، مما عزز من تأثيرها النفسي وأظهر نية واضحة في إحداث حالة من الترويع الجماعي.
الهجمات على مرافق الكهرباء رافقها استهداف مباشر للبنية التحتية للمياه, فنتيجة لقصف محطات الكهرباء، تعطلت محطات الضخ، وانقطع الإمداد المائي عن آلاف الأسر، خصوصًا في شرق الجزيرة والقضارف وفي حادثة أخرى، سقطت قذائف قرب خطوط إمداد حيوية بمحيط خزان سنار، مهددة بإخراج مصادر مياه رئيسية عن الخدمة. هذا التدمير المنهجي للأصول المائية والصحية لا يترك مجالًا للشك في أن الهدف لم يكن عسكريًا، بل معاقبة السكان وحرمانهم من ضروريات الحياة.
أبراج الإرسال والاتصالات:
كما شهد قطاع الاتصالات ضربات مماثلة، إذ تعرّضت أبراج ومحطات إرسال في دارفور وشرق النيل وجنوب كردفان للقصف، ما أدى إلى انقطاع شبه تام في خدمات الهاتف والإنترنت. في بعض الحالات، لم يكن القصف مباشرًا بل تم من خلال قطع الكهرباء المغذية لتلك المحطات. هذه العزلة التقنية لم تكن مصادفة، بل ساهمت في عرقلة عمليات الإسعاف، وتعطيل الإبلاغ عن الانتهاكات، ومنع وصول المعلومة والتوثيق من المناطق المنكوبة إلى العالم.
إن قصف الكهرباء لا يُطفئ الأنوار فقط، بل يُطفئ القدرة على النجاة في غرف العمليات، وفي حضانات الأطفال، وفي قلوب العائلات التي تعيش في ظلام الحرب. واستهداف المياه والاتصالات لا يُعطّل الخدمات فقط، بل يعزل الإنسان عن الحياة والعالم، ويحوّله إلى رهينة حرب تُدار من الجو بلا تمييز أو مساءلة.
استهداف دور العبادة:

وفي 23 مارس، استُهدف مسجد الرضوان في حي كوكو بالعاصمة الخرطوم أثناء صلاة العشاء، وسقط 11 قتيلًا. لم تكن هناك أي اشتباكات أو وجود عسكري، فقط مصلّون داخل دار عبادة. كانت تلك الضربة ذروة التصعيد الرمزي، ورسالة واضحة بأن كل شيء مباح، حتى أكثر الأماكن قداسة.
العقاب الجماعي:
هذه الضربات لا تُعبّر فقط عن استخدام المسيّرات كسلاح قتال، بل تظهر تحولها إلى أداة للعقاب الجماعي ورسائل سياسية محمّلة بالرعب, فبعد فقدانها للعديد من المناطق، لجأت قوات الدعم السريع إلى استهداف ما تركته خلفها، في محاولة لكسر الاستقرار وبثّ الشعور بالعجز في صفوف المدنيين، وإثبات أن لا منطقة في السودان يمكن أن تكون آمنة
القانون الدولي لا يترك مجالًا للبس في توصيف هذه الأفعال, فالمادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص على حماية الأعيان المدنية ما لم تُستخدم في الأعمال القتالية, والمادة 54 تحظر استهداف الأعيان الضرورية لبقاء السكان, أما المادة 8 من نظام روما الأساسي فتُصنّف استهداف المستشفيات ودور العبادة كمثال صريح على جرائم الحرب إذا كانت متعمدة. المادة 28 من نفس النظام تُحمّل القادة المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إن لم يتخذوا التدابير الكافية لمنعها أو محاسبتها.
جرائم قتل عمد:

لكن ما يحدث في السودان يتجاوز توصيف (جرائم الحرب) إلى وصف أدق: جرائم قتل عمد فطبيعة الأهداف، وتكرار الضربات، وانعدام أي مبرر عسكري، تؤكد وجود قصد إجرامي واضح. القانون الجنائي الدولي لا يميّز بين مسيّرة أو مدفع، بل ينظر إلى النية والنتيجة والسياق. وحين يُثبت القصد الجنائي العام والخاص (mens rea)، فإن تكرار الجرائم في مواقع وأزمنة مختلفة يُخرجها من كونها تجاوزات فردية إلى كونها سياسة قتل ممنهجة، تنطبق عليها شروط الملاحقة الفردية أمام المحاكم الوطنية والدولية، بما في ذلك عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية.
المحاسبة غائبة:
ورغم وضوح هذه الجرائم، ما زالت المحاسبة غائبة. لا محكمة جنائية تحركت، ولا لجان تقصٍ فُعّلت، ولا ضغط دولي يُمارس. المجتمع الدولي يكتفي بالتعبير عن “القلق”، بينما المسيّرات تواصل التحليق والقصف. هذا الصمت لم يعد يُقرأ كحياد، بل كضوء أخضر لاستمرار الجريمة، وربما توسعها.
وما يزيد الطين بلة أن هذه الجرائم لا تهدد السودان وحده, فالتطبيع مع استهداف المدنيين باستخدام المسيّرات يُمكن أن يتحول إلى نموذج عالمي في النزاعات المسلحة, من ليبيا إلى اليمن، من أوكرانيا إلى غزة، ما يحدث اليوم في الفاشر قد يُستنسخ غدًا فوق مدرسة، أو مستشفى، أو سوق شعبي
إن هذه المرحلة ليست مجرد مأساة إنسانية، بل لحظة اختبار مصيري للقانون الدولي الإنساني، ومصداقية المنظومة الدولية بأكملها. المطلوب اليوم ليس بيانات شجب جديدة، بل تحرك عملي حقيقي: تحقيق دولي مستقل، محاسبة جنائية، حماية فورية للمدنيين، وتفعيل كل الآليات المتاحة من إحالات جنائية، إلى عقوبات فردية، إلى بعثات مراقبة وتوثيق.
فالمسيّرات التي تقصف مستشفى اليوم، قد تقصف حضانة غدًا, وإن لم يوضع الآن خط أحمر واضح من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، فإن الفروق بين الحرب والإبادة، وبين السياسة والجريمة، ستُمحى بالكامل.
فهل ننتظر أن تُضاف هذه الجرائم إلى سجل الإفلات من العقاب، أم أن الضمير الدولي سيتحرّك قبل فوات الأوان.