آخر الأخبار

حق المعرفة… إسقاطات على الواقع السوداني في أوقات الأزمات

شئ للوطن

م.صلاح غريبة

 

*يحتفل العالم في الثامن والعشرين من سبتمبر من كل عام باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، وهو يوم يُكرّس لتأكيد حقيقة أن الحصول على المعلومة الصحيحة والموثوقة ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، وركيزة لا غنى عنها لبناء المجتمعات الديمقراطية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتمكين المواطنين من المساءلة والشفافية. وعندما نتأمل هذه المناسبة ونحملها إلى مسرح الواقع السوداني الروسي بالهموم والتحديات الجسام، تتكشف لنا أبعاد بالغة الأهمية حول دور المعلومة – أو غيابها – في صناعة المصير الوطني وإدارة الأزمات.

*يمر السودان بمنعطف تاريخي واجتماعي وإنساني معقد، تتشابك فيه خيوط الصراع والنزوح وتحديات البنية الأساسية وانهيار الخدمات. وفي قلب هذه البيئة العاصفة، تصبح حاجة المواطن السوداني للمعلومة الدقيقة أشد إلحاحاً من أي وقت مضى. فالوصول إلى البيانات المتعلقة بالممرات الآمنة، والمساعدات الإنسانية، وتوفر السلع، والحالة الصحية والتعليمية، لا يقل أهمية عن الغذاء والدواء.

*إن حجب المعلومة أو احتكارها في زمن الأزمات يغذّي الشائعات، ويضاعف من معاناة الملايين، ويعطل قدرة الأفراد والجماعات على اتخاذ قرارات مصيرية تخص سلامتهم ومستقبلهم.. من هنا، يتحول تعميم الانتفاع بالمعلومات من شعار أممي نظري إلى ضرورة وجودية ملحة تفرضها أخلاقيات الأزمة وحق البقاء والكرامة الإنسانية.

*تضطلع المؤسسات الصحفية والإعلامية السودانية – رغم الضغوط الهائلة والتحديات التشغيلية واللوجستية – بدور بطولي في نقل الحقيقة وتوثيق الواقع.. إن حرية الصحافة وتدفق الأنباء والأفكار بحرية بلا قيود جغرافية أو تعسفية هما الجناحان اللذان يحلق بهما الوعي الجمعي، بمحاربة التضليل، ففي ظل سيولة المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي وانتشار الأخبار المفبركة، تبرز الحاجة الملحة لمنصات ومنابر إعلامية رصينة تقدم تحليلات موضوعية ووقائع موثوقة، بالإضافة إلى الربط بين الداخل والخارج: يلعب ملايين السودانيين في المهجر والشتات دوراً حيوياً في دعم أهلهم، وهم بحاجة ماسة لبيانات دقيقة وشفافة عن الأوضاع الحقيقية للمساهمة بفعالية في مبادرات الإغاثة وإعادة الإعمار والتنمية المجتمعية.

*على الرغم من وجود أطر تنظيمية سابقة ومؤسسات مثل المركز القومي للمعلومات في السودان، إلا أن الاختبار الحقيقي للشفافية يكمن في فترات التحول والأزمات.. إن بناء مستقبل السودان المأمول على أسس سليمة يتطلب بالضرورة تفعيل وتطوير القوانين ومراجعة وتحديث التشريعات المتعلقة بحق الحصول على المعلومات لتكون أكثر مرونة وشمولاً، وتلبي المعايير الدولية التي تكفل لكل مواطن الحق في التماس وتلقي وإذاعة البيانات الحكومية والعامة دون خوف أو تعقيد، والتحول الرقمي المفتوح بتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لبناء قواعد بيانات وطنية شفافة ومتاحة، تخدم متخذي القرار وتسهل على الباحثين والمجتمع المدني قراءة المشهد الاقتصادي والخدمي بموضوعية.

*خلاصة الرؤية: إن الاحتفاء باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات ليس مجرد وقفة روتينية أمام التقويم السنوي، بل هو دعوة متجددة إيمان راسخ بأن المعلومة قوة وحق.. وفي السياق السوداني، فإن إطلاق طاقات المعرفة، وتوفير البيئة الآمنة لتدفق الحقيقة، وتمكين المؤسسات والأفراد من الوصول إلى البيانات، يمثل حجر الزاوية الحقيقي لصياغة وعي وطني مستنير يمهد الطريق نحو السلام، والاستقرار، والبناء المؤسسي المستدام.