آخر الأخبار

مصر والسودان في 2025… حين تختار الدول العاقلة سياسة منع الانهيار

 

عمرو خان

*لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا في سجل العلاقات المصرية–السودانية، بل شكّل اختبارًا حقيقيًا لفكرة الدولة في الإقليم، ولمفهوم الأمن القومي بمعناه الواسع، ولقدرة القاهرة على إدارة الأزمات الكبرى دون ضجيج، ودون الانجرار إلى أدوار استعراضية قصيرة النفس. ففي لحظة إقليمية تتكاثر فيها المشاريع العابرة للحدود، وتتصاعد فيها شهية الميليشيات والوسطاء الدوليين على تفكيك الدول الهشة، اختارت مصر أن تتعامل مع السودان لا كملف دبلوماسي، بل كامتداد وجودي مباشر لأمنها واستقرارها.

*منذ اندلاع الحرب السودانية، أدركت القاهرة أن ما يجري جنوب حدودها لا يمكن اختزاله في صراع بين جنرالين أو معركة على السلطة، بل هو تفكك تدريجي لفكرة الدولة الوطنية، وفتح واسع للأبواب أمام المرتزقة، وتدويل ناعم للصراع تحت شعارات إنسانية وسياسية براقة.. لذلك، جاء الموقف المصري خلال 2025 متسقًا مع فلسفة منع الانهيار لا (إدارة الصراع)، وهي فلسفة أقل بريقًا إعلاميًا، لكنها أكثر خطورة وعمقًا في الحسابات الاستراتيجية.

*سياسيًا، تمسكت مصر بثابت واضح: الدولة السودانية أولًا. لم تنجر القاهرة إلى مغازلة كيانات موازية، ولم تتعامل مع الميليشيات بوصفها طرفًا سياسيًا مشروعًا، ولم تشارك في محاولات إعادة إنتاج التجربة الليبية أو السورية على الأرض السودانية. هذا الموقف، الذي بدا للبعض جامدًا أو محافظًا، كان في حقيقته إدراكًا مبكرًا بأن أي شرعنة للعنف خارج إطار الدولة ستقود السودان إلى سنوات طويلة من الفوضى العابرة للحدود، وهو سيناريو لا تتحمله مصر ولا المنطقة بأسرها.

*في هذا السياق، حافظت القاهرة على قنوات اتصال مفتوحة مع القيادة السودانية الرسمية، دون أن ترفع شعارات الوصاية أو التدخل، ودون أن تصادر حق السودانيين في تقرير مصيرهم. كانت الرسالة المصرية واضحة: الحل يجب أن يكون سودانيًا، لكن ضمن إطار الدولة الواحدة والجيش الواحد، وليس عبر تسويات هجينة تصنع دولًا رخوة بلا سيادة حقيقية.

*أمنيًا، تعاملت مصر مع السودان خلال 2025 باعتباره خط الدفاع الجنوبي عن وادي النيل. فانتشار السلاح، وتدفق المرتزقة، وتحوّل دارفور وأطراف السودان إلى ساحات حرب بالوكالة، كلها تطورات لا تهدد الخرطوم وحدها، بل تضرب عمق الاستقرار الإقليمي من البحر الأحمر حتى ليبيا.. ومن هنا، لم يكن حديث القاهرة عن (الخطوط الحمراء) مجرد خطاب سياسي، بل تعبيرًا عن إدراك استراتيجي بأن تفكيك الجيش السوداني أو تقسيم البلاد هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري.

*وفي بعده الإقليمي، ربطت مصر بين استقرار السودان وأمن البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وتتصاعد محاولات السيطرة على الموانئ والممرات البحرية. فالسودان المنهار لا يشكل فقط عبئًا إنسانيًا، بل ثغرة جيوسياسية مفتوحة، وهو ما جعل التحرك المصري حذرًا، متدرجًا، لكنه حاسم في رفض أي ترتيبات تنتقص من وحدة الأرض أو القرار الوطني السوداني.

*أما إنسانيًا، فقد قدمت مصر نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الأزمة. فاستقبال مئات الآلاف من السودانيين لم يكن مجرد استجابة طارئة، بل تعبيرًا عن رؤية ترى في الشعب السوداني امتدادًا اجتماعيًا وتاريخيًا، لا عبئًا أمنيًا أو رقميًا في تقارير المنظمات الدولية. لم تُرفع لافتات اللاجئين، ولم تُستخدم الأزمة كورقة ضغط سياسي، بل جرى دمج السودانيين في التعليم والصحة وسوق العمل بقدر الإمكان، في لحظة كانت فيها الدولة السودانية نفسها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها.

*وعلى المستوى الدبلوماسي، تحولت القاهرة خلال 2025 إلى ما يشبه (العاصمة الخلفية) للملف السوداني.. منصة هادئة، غير صاخبة، تُدار فيها النقاشات بعيدًا عن الميكروفونات، وتُستقبل فيها الشخصيات السودانية بمختلف انتماءاتها، دون الوقوع في فخ الانحياز لفصيل ضد آخر. هذا الدور، رغم أنه لا يُقاس بعدد البيانات أو المؤتمرات، إلا أنه أسهم في منع انزلاق الأزمة إلى مسارات أكثر تطرفًا

*ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الدور المصري واجه قيودًا حقيقية.. فتعقيد المشهد العسكري، وتعدد اللاعبين الإقليميين، وتضارب الأجندات الدولية، كلها عوامل حدّت من قدرة أي دولة، مهما كانت ثقلها، على فرض حل سريع.. لكن القاهرة اختارت سياسة النفس الطويل، إدراكًا منها أن إدارة الأزمات الكبرى لا تُقاس بالنتائج السريعة، بل بالقدرة على تقليل الخسائر ومنع الأسوأ.

*في المحصلة، لم تسعَ مصر في 2025 إلى لعب دور البطل الإقليمي، بل اختارت موقع الدولة العاقلة التي تمنع الانهيار. انحازت لفكرة الدولة، لا للأشخاص، وللاستقرار طويل المدى، لا للتسويات المؤقتة. وربما يكون هذا الدور أقل جاذبية للعناوين الساخنة، لكنه الأكثر تأثيرًا في مستقبل السودان والمنطقة.

*ففي زمن تتساقط فيه الدول واحدة تلو الأخرى، يصبح أعظم إنجاز سياسي هو ببساطة: أن تمنع دولة من السقوط.

كاتب صحفي مصري