آخر الأخبار

مذبحة غابة السنط بالخرطوم (3-3)

  • كيف تضررت الطيور المهاجرة وبيئة الخرطوم من إزالة غابة السنط؟
  • الطير المهاجر يقطع الاف الكيلومترات من اوروبا للسودان في الخريف
  • النورس، الأوز، مالك الحزين، اللقالق، طيور نادرة تزور السودان سنويا
  • لماذا تهاجر الطيور في أسراب على شكل حرف (في) الإنجليزي

 

تحقيق ــ التاج عثمان:

ما تعرضت له غابة السنط بالخرطوم من قطع جائر لأشجارها النادرة بواسطة الجنجويد يعد مذبحة حقيقية لم تحدث من قبل في كل أنحاء العالم عدا مذبحة غابات الأمازون الشهيرة.. فغابة السنط بالخرطوم محمية طبيعية عالمية منذ العام 1939
بجانب ذلك انها تحتوي على نظام بيئي متكامل وإزالتها بهذه الطريقة المؤلمة تعد خسارة كبيرة للبيئة وللطيور المستقرة والمهاجرة.. غابة السنط بالخرطوم ليست مجرد أشجار (قرض) بل أنها تتميز بخصائص بيولوجية نادرة لتنوعها البيولوجي وإحتضانها نظاما بيئيا متكاملا.. والأهم من ذلك كله انها تعد موطنا لآلاف الكائنات الحية والحشرات والأعشاب البرية والنيلية.. بجانب أنها محطة لإستراحة الطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وامريكا الجنوبية وكندا وآسيا وأفريقيا في فصل الخريف.. التحقيق التالي يكشف تفاصيل مذبحة غابة السنط بالخرطوم التي إرتكبها في حقها وحق البيئة الجنجويد.. بجانب عكس الآثار والأضرار البيئية الخطيرة السالبة الناجمة من فقدان هذه المحمية الطبيعية التي تناهز مساحتها حوالي 882 فدانا وبموقعها الفريد والمميز عند ملتقى مقرن النيلين الأبيض والأزرق
الطير المهاجر:


خلال الخريف القادم سوف تفتقد الطيور المهاجرة من أوروبا وآسيا وافريقيا غابة السنط بالخرطوم بعد أن تعدى عليها الأوباش والشفشافة المحليين بالقطع وأزالوا، للأسف، معظم أشجارها فأصبحت جرداء قاحلة غير صالحة كمحطة لإستراحة الطيور المهاجرة في رحلتها السنوية.. كذلك سوف تتأثر الطيور المحلية المستوطنة من قطع الغابة لكونها فقدت الغطاء النباتي والشجري.. عموما قطع غابة السنط سوف يحدث خللا بيئيا في المنطقة كلها خاصة العاصمة الخرطوم.. حيث كانت غابة السنط من المحطات الرئيسية للطيور المهاجرة في فصلي الخريف والربيع خلال سبتمبر واكتوبر ونوفمبر، بينما تبدأ رحلتها للعودة العكسية لموطنها الأصلي بأوروبا في الربيع خلال مارس وابريل ومايو للتكاثر بوضع بيوضها هناك.
أسراب الطيور المهاجرة من أوروبا سنويا للسودان وغيره من الدول الأخرى قاصدة غابة السنط التي تتخذها كإستراحة لها بعد رحلتها الطويلة من أوروبا قاطعة مسافة (5000 ــ 1400) كيلو متر للوصول إلى افريقيا والسودان جنوب الصحراء الكبرى هربا من برودة الطقس والجليد بأوروبا حيث ينعدم الغذاء، ولذلك تقرر بدء رحلتها السنوية لمناطق وبلدان أكثر دفئا يتوافر فيها الغذاء.. اما الطيور التي تأتي من آسيا فهي من أنواع اللقالق والطيور الجارحة.. بينما الطيور المهاجرة من بعض دول الشرق الأوسط معظمها طيورا مائية.. وهناك طيور تأتي من افريقيا وهذه معظمها من الجوارح، او الصقور.. وبعضها يأتي من موطنها الأصلي بكندا من بعض الجزر شمال شرق كندا، اما الطيور الاسيوية القادمة من بعض الدول الأسيوية فتقطع مسافة (6000 ــ 18000) كيلو متر، وذلك حسب نوع وحجم الطير المهاجر، فمثلا طيور (السنونو) تقطع مسافات تتراوح بين (5000 ــ 7200) كيلو متر من أوروبا وآسيا.
وتقضي الطيور المهاجرة بغابة السنط بالخرطوم فترات متباينة للراحة والإستجمام وتناول ما تجود به غابة السنط لها من غذاء من الحشرات والثمار والأعشاب والنباتات المختلفة، في طريقها جنوبا للمناطق الأكثر دفئا لوضع بيوضها هناك.. فبعض الطيور المهاجرة إذا ما طاب لها المقام بغابة السنط لوفرة الغذاء والماء، تقضي أسابيع او شهر، وإلا سوف تغادر سريعا قاصدة محطات الإستراحة الأخرى بجنوب السودان وحظيرة الدندر التي تمتد حدودها بين ولايات: سنار، والنيل الأزرق، والقضارف.. وقبل وصولها لغابة السودان لديها محطات إستراحة أخرى للراحة باوروبا قبل عبورها البحر الأبيض المتوسط، بجانب محطات الإستراحة بشمال افريقيا بدول مصر وتونس وليبيا.
خسارة بيئية:
وللوقوف على خسارة البيئة السودانية من قطع غابة السنط، هناك مئات الأنواع من الطيور المهاجرة تحط على غابة السنط بالخرطوم كل خريف، وذلك وفقا لبعض الأبحاث التي ترصد هجرة الطيور من مواطنها المختلفة بأوروبا وآسيا وافريقيا، بجانب (144) نوعا من الطيور سودانية الجنسية من الطيور المحلية المستوطنة بالغابة.. ومن بين أنواع الطيور المهاجرة طيور نادرة مهددة بالإنقراض، مثل صقر الغزال، والبط الحمراوي، والزرزور الذي يطلق عليه في السودان (قدوم أحمر).. من المعلومات المهمة عن غابة السنط ما أشار له مسحا علميا أجرى عام 1993 عن الطيور المهاجرة، أثبت المسح ان غابة السنط تحوي في فصل الخريف (817) طائرا، و(18) نوعا من الطيور المهاجرة التي تأتي من عدة مناطق باوروبا والشرق الأوسط وآسيا، منها: (الأوز ــ طير البقر الأبيض اللون والمعروف في السودان بـ(بيوض بيوض) ــ النورس النهري ــ مالك الحزين ــ اللقالق ــ الصقور الجارحة ــ العصافير) جميع هذه الطيور تعد من الطيور النادرة، بجانب الطيور المستوطنة في مناطق السافنا الفقيرة.
علماء الطيور يجيبون:
سؤال هام أثاره البعض هو: كيف تتلمس الطيور المهاجرة طريقها من أوروبا وآسيا إلى غابة السنط بالخرطوم قاطعة (5000 ــ 7200) كيلو متر دون ان تضل طريقها؟..علماء الطيور يجيبون على هذا السؤال الذي يحمل في طياته ظاهرة غريبة خص بها سبحانه وتعالى بعض الطيور بقولهم: “الطيور القادمة من أوروبا وآسيا تتعرف على طريقها لغابة السنط بالسودان او محطات إستراحاتها الأخرى ببعض الدول، بعدة وسائل وطرق:
ــ تستخدم الطيور المهاجرة المعالم الجغرافية بالمناطق التي تعبرها، كالأنهار والسواحل والجبال، ويعتبر نهر النيل في السودان معلما جغرافيا هاما للطيور المهاجرة.
ــ بعض الطيور المهاجرة لديها القدرة على إستشعار المجال المغناطيسي للأرض ما يساعدها على تحديد الإتجاهات.
ــ بعض الطيور المهاجرة تستخدم ذاكرتها وخبرتها السابقة، حيث أنها تكون قد هاجرت من قبل، حيث تستخدم ذاكرتها البصرية مثل لون الأشجار وشكل الغابات المختلفة لتحديد موقعها.
ــ وتشير بعض الدراسات ان الطيور المهاجرة ترث معلومات عن مسارات رحلة هجرتها من أسلافها.. سبحان الله
ويشير العلماء الذين درسوا هجرة الطيور ان الطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وآسيا تستخدم معالم جغرافية مختلفة تسترشد بها خلال رحلتها الطويلة، تشمل:
ــ البحار: كالبحر الأبيض المتوسط، والذي تقطعه الطيور المهاجرة إما طائرة من فوقه او حوله.
ــ البحر الأحمر: حيث تستخدمه بعض الطيور المهاجرة كمعلم إسترشادي جغرافي أثناء هجرتها كل عام.
ــ الأنهار: مثل نهر النيل والذي يعتبر معلما جغرافيا هاما للطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وآسيا، بجانب انهار أخرى تستخدمها الطيور المهاجرة كمعالم جغرافية لتحديد مساراتها المختلفة.
ــ الجبال: الطيور الأوروبية تجتاز جبال الالب او حولها أثناء هجرتها.. وأيضا جبال الهملايا بالنسبة للطيور الآسيوية.
أسرار أسراب الطيور:
سر آخر من أسرار الله سبحانه وتعالى خص به الطيور المهاجرة، وهو الطيران والهجرة في مجموعات، وهو سلوك شائع وسط كثير من أنواع الطيور.. حيث ان العلماء توصلوا ان رحلة الطيور المهاجرة في أسراب تساعدها على توفير الطاقة بطيرانها في أسراب بتشكيلات على حرف (في) الإنجليزي، او العدد الحسابي العربي (7)، ويشيرون ان هذا الإسلوب في الطيران يقلل من مقاومة الطيور للهواء او الضغط الجوي، ويحميها من المفترسات كالصقور، كما يساعدها في تبادل المعرفة مع قدامى الطيور المهاجرة وإكتساب الخبرة منها لتحديد مساراتها.. كما أثبتت الدراسات ان قائد السرب يعمل كربان السفينة او قائد الطائرة، لكونه يتحلى بخبرة تراكمية تساعده في تحديد مسار رحلة الهجرة الطويلة.. ويبلغ عدد طيور السرب الواحد بين (5 ــ 50) طائرا، بينما أسراب طيور الأوز الأوربي يمكن ان تشكل أسرابا كبيرة تصل لألاف الطيور، والاوز الكندي في حدود (10 ــ 40) أوزه في السرب الواحد لكونها ضخمة الحجم بينما يتشكل السرب الواحد للبط بين (10 ــ 30) وكذلك طيور الزرزور القادم من اثيوبيا، بينما الزرزور الأوربي يشكل أسرابا ضخمة قد تصل إلى ملايين الطيور في السرب الواحد لصغر حجمها.