
دور الإعلام في مواجهة الشائعات.. حول انشقاق قادة التمرد
ميمونة سعيد آدم أبورقاب
*يلعب الإعلام دورًا محوريًا في إدارة معركة الوعي خلال فترات النزاعات المسلحة، حيث لا تقل أهمية الجبهة الإعلامية عن الجبهات الميدانية. وفي السودان، ومع تطورات الحرب في السودان 2023، برزت الحاجة الملحّة إلى إعلام وطني مهني قادر على صدّ الشائعات والتعامل بحذر مع القضايا الحساسة، وعلى رأسها الأخبار المتعلقة بانشقاق بعض قادة التمرد وانضمامهم إلى القوات المسلحة. فهذه القضايا بطبيعتها ليست مجرد أخبار عادية، بل تحمل أبعادًا استراتيجية قد تؤثر في مسار الصراع وتوازناته.
*تُستخدم الشائعات في أوقات الحرب كأداة أساسية ضمن ما يُعرف بـ الحرب النفسية، إذ تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية، وبث الارتباك، وخلق حالة من عدم اليقين داخل المجتمع. وفي هذا الإطار، فإن تداول أخبار انضمام قادة ميدانيين من حركات التمرد- سواء كانت مؤكدة أو غير مؤكدة- يمكن أن يتحول إلى سلاح ذي حدين.. فبينما قد يُنظر إليها من زاوية إيجابية تعكس تماسك المؤسسة العسكرية، إلا أن سوء إدارتها إعلاميًا قد يمنح الطرف الآخر فرصة لإعادة توظيفها بما يخدم أهدافه.
*من هنا، تبرز أهمية أن يُترك أمر الإعلان عن مثل هذه الانشقاقات وتفاصيلها الدقيقة لتقديرات القيادة العسكرية، باعتبارها الجهة الأقدر على تقييم التوقيت المناسب للنشر، ومدى تأثيره على العمليات الجارية. فالإفصاح غير المدروس قد يؤدي إلى كشف معلومات حساسة، أو إرباك الخطط الميدانية، أو حتى تعريض بعض الأفراد لمخاطر أمنية. وعليه، فإن الالتزام الإعلامي بالمصادر الرسمية لا يُعد تقييدًا لحرية النشر، بل هو ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
*في المقابل، لا يعني ذلك غياب دور الإعلام، بل على العكس، يتعزز دوره في هذه الحالة ليكون شريكًا في حماية الاستقرار، من خلال تبني خطاب مسؤول يوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن القومي. فالإعلام المهني يستطيع أن يقدّم المعلومة الدقيقة عند صدورها، ويضعها في سياقها الصحيح، دون تهويل أو تقليل، مع تجنب الانجرار وراء السبق الصحفي الذي قد يفتح الباب أمام الأخطاء.
*كما أن الإعلام المعادي يسعى باستمرار إلى استغلال مثل هذه القضايا، خاصة في ظل ما يمر به التمرد من مؤشرات تفكك وانهيار، حيث يصبح البحث عن أي عنصر معنوي رافع للروح القتالية أمرًا حيويًا بالنسبة له.. وفي هذا السياق، قد يتم تضخيم أخبار الانشقاقات أو إعادة تفسيرها بطريقة توحي بأنها تكتيك مرحلي، أو حتى التشكيك في صحتها لإضعاف مصداقية الإعلام الوطني.. وهنا تكمن الخطورة، إذ إن التناول غير المنضبط من قبل بعض الوسائل قد يخدم هذه الأجندات دون قصد.
*وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق بقادة مؤثرين يمتلكون ثقلًا عسكريًا أو اجتماعيًا داخل الحركات المتمردة، حيث يمكن أن يكون لانضمامهم أثر كبير على توازن القوى.. لذلك، فإن التسرع في نشر معلومات غير مكتملة أو غير دقيقة حولهم قد يؤدي إلى خلق تصورات مضللة لدى الرأي العام، أو إلى استغلالها من قبل الأطراف المعادية لإعادة بناء سرديتها. ومن هنا، فإن الدقة والاحترافية في التناول الإعلامي تصبحان شرطين أساسيين.
*في هذا الإطار، تبرز أهمية تعزيز التربية الإعلامية لدى الجمهور، حتى يكون قادرًا على التمييز بين الأخبار الموثوقة والشائعات، وعدم الانجرار وراء المحتوى المضلل الذي ينتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. فالمواطن الواعي يُعد شريكًا أساسيًا في مواجهة الشائعات، وليس مجرد متلقٍ سلبي للمعلومات.
*كما يتطلب هذا الواقع تطوير سياسات إعلامية واضحة تقوم على التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، وتحديد آليات دقيقة للتعامل مع الأخبار الحساسة. ويشمل ذلك تدريب الصحفيين على التحقق من المعلومات، وفهم الأبعاد الأمنية للنشر، والالتزام بأخلاقيات المهنة، خاصة في أوقات الأزمات. فالإعلام في هذه المرحلة لا ينقل الخبر فحسب، بل يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيهه.
*ولا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة رئيسية لتداول الأخبار، سواء الصحيحة أو الزائفة. فبينما تتيح هذه الوسائل سرعة الوصول إلى المعلومات، فإنها في الوقت ذاته تُسهّل انتشار الشائعات، ما يفرض على الإعلام التقليدي والرقمي مضاعفة جهودهما في التحقق والتوضيح والتصحيح المستمر.
*في المحصلة، فإن دور الإعلام في السودان في هذه المرحلة الدقيقة يتجاوز حدود التغطية الإخبارية، ليشمل حماية الوعي الجمعي من التضليل، ومنع استغلال القضايا الحساسة من قبل الإعلام المعادي. إن التعامل المهني مع أخبار انشقاق قادة التمرد وانضمامهم إلى القوات المسلحة، من خلال الالتزام بالمصادر الرسمية وترك التقدير للقيادة، يُعد خطوة أساسية في هذا الاتجاه. وبهذا، يسهم الإعلام في دعم الاستقرار، وتعزيز الثقة، وإغلاق الطريق أمام محاولات التلاعب بالمعلومات في سياق صراع معقد ومتغير.