حظر استيراد سلع كمالية … آخر العلاج الكي
تقرير – ناهد اوشي:
وجد القرار الذي أصدره رئيس الوزراء والقاضي بحظر استيراد 45 سلعة ومنتجاً تجارياً من السلع الكمالية وغير الضرورية وجد تباينا في ردود الأفعال حيث اعتبره البعض خطوة استراتيجية تهدف إلى كبح جماح تدهور سعر الصرف وتخفيف الضغط على العملات الصعبة.
بينما واجه أيضا انتقادات لاذعة باعتبار أن القطاعات الانتاجية قد تم تدميرها تماماً نتاج الحرب الممنهجة في ظل تصاعد المخاوف بحدوث فجوات سلعية تزيد من الضغوط المعيشية على الشعب السوداني المكلوم.
تصحيح مسار:

المدير العام للتخطيط والتنمية والاستثمار بجامعة امدرمان الاسلامية بروف محمد خير حسن أثنى على قرار رئاسة مجلس الوزراء والقاضي بوقف استيراد عدد 45 سلعة من السلع الاستهلاكية وقال نبهنا قبل نشوب الحرب بضرورة إغلاق الحدود على واردات كل السلع الكمالية والسلع الاستهلاكية التي يمكن إنتاج بديل محلي لها واستثناء السلع الاستراتيجية الرأسمالية التي تحتاجها القطاعات الانتاجية ذات الاولوية والأدوية المنقذة للحياة.
وشدد على ان وقف الاستيراد يحفز المنشآت الوطنية لتسهم في تحسين وضعية الميزان التجاري وتقليل مستوى استنزاف ارصدة البلاد من النقد الأجنبي وبالتالي تحسين قيمة العملة الوطنية والمساهمة في كبح جماح معدلات التضخم.
مشيرا لخطوة عدد من الدول في إغلاق حدودها امام الواردات وافلحت في تنمية قطاعاتها الانتاجية ومنشآتها الصناعية الوطنية وحسنت موازينها التجارية وحققت تحسنا كبيرا في أداء كثير من مؤشراتها الاقتصادية الكلية.
وقال ان هذه الخطوة رغم المخاوف جاءت متأخرة وكان ينبغي أن تتخذ قبل سنوات عديدة لتسهم في تصحيح مسار الاقتصاد السوداني ومعالجة تشوهاته الهيكلية.
معركه الكرامة:
فيما توقع أن تحدث هذه القرارات بعض الضغوط والمرارات بيد انه قال إن صبرنا عليها فستحقق ثمارها وقد صبرنا على ما هو أمرّ منها فلنعتبر ذلك جزءا من معركة الكرامة ولننعتق من سلوكنا الاستهلاكي ذو الميل الكبير إلى الواردات ولنعيد تشكيل ميولنا وتفضيلاتنا نحو صناعتنا الوطنية بوازع وطني وأخلاقي.
وقال إن خطوة منع توريد 45 سلعة من السلع الاستهلاكية وحده لا يكفي إنما هناك مطلوبات أخرى اكثر أهمية يفترض أن توفر لانجاح ما تم اتخاذه من قرارات بل هي مطلوبات ( لازمة ) لن ينجح الأمر إلا بتوفيرها خاصة وان بعض حزم السياسات الاقتصادية والتي تتعلق بسياسات التجارة الخارجية كانت قد سببت في السنوات السابقة دمارا كبيرا لقدرات بعض جوانب القطاع الصناعي مستدلا بقرارات السلطات الاقتصادية فيما يتعلق بواردات الدقيق والتي اغلقت كثيرا من المنشآت الوطنية.
ونوه خير لضرورة أن تكون السياسات الاقتصادية محفزة ومتحيّزة للإنتاج الوطني في كافة القطاعات الانتاجية ذات الأولوية وقال لابد أن تتكامل السياسات ولا تتعامل المؤسسات الاقتصادية كجزر معزولة.
تضخم إضافي:
الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي يرى غير ذلك وقال إن خطوة حظر استيراد السلع تشير بوضوح إلى شح العملة الأجنبية ، مما يزيد من مخاوف احتمالية حدوث تضخم إضافي وزيادة أسعار السلع الأساسية.
وتوقع أن يؤدي الحظر إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق السوداء، مما قد يدفع سعر الدولار للارتفاع مجددًا مقابل الجنيه مما يؤدي الى موجات تضخمية جديدة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك الأغذية والأدوية.
مشيرا إلى (تكرار) نفس السياسات العامة السابقة حيث كانت النتائج (رفع ) سعر الدولار وحدوث موجة تضخمية أخرى مما يعمل علي زيادة في الطلب على العملات الأجنبية في السوق السوداء، واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، بالإضافة إلى خلق موجات جديدة من زيادة أسعار جميع السلع ورفع معدلات التضخم، مع انخفاض قيمة العملة المحلية.
ترقيع مستمر:
وقال د. هيثم إن التحدي الأكبر أمام حكومة (الأمل) هو القدرة على تأمين مصادر دولارية كافية لتجنب أزمة اقتصادية أعمق قد تؤثر على استيراد السلع الأساسية التي يحتاجها المواطنون بشكل يومي. معتبرا اياه إجراء طبيعيا في ظل أزمة العملة الأجنبية
وهو نوع من أنواع (الترقيع ) المستمر
لأزمات الاقتصاد السوداني وليس حل للأزمة.
وجدد تأكيده بان حظر الاستيراد لهذا الكم من السلع سيكون له تأثير عكسي، إذا لم يتوفر البديل المحلي والذي قد لا يكون جاهزاً في الوقت الراهن.
خاصة في ظل وجود إشكالية كبيرة يعانيها الاقتصاد السوداني فيما يخص الاكتفاء الذاتي، وهو مؤشر على عدم قدرة الاقتصاد المحلي على تغطية السلع التي سيتم حظرها وتلبية احتياجات السوق المحلي منها.
ازمة خانقة:
وقال ان القرار يفتقر لأي مشاورات مسبقة مع القطاع الخاص المعني بالتجارة والاستثمار والاستيراد ، كما يُعد انتهاكاً صريحاً لمبدأ الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وتهديداً مباشراً لحركة التجارة والاستيراد، التي تُعد شرياناً رئيسياً لحياة الملايين السودانيين في ظل غياب الإنتاج المحلي الكافي وارتفاع مستويات الفقر والبطالة في البلاد.
مطالبا بحرية الاستيراد، دعماً للمستهلك، بوصفه الحلقة الأضعف في معادلة السوق، فلا يكون تغليب مصلحة المنتج المحلي على مصالح المستهلك.
متسائلا عن وجود برنامج لتصنيع الكميات المطلوبة من المستوردين عبر المصانع المحلية بما يحافظ على مصالحهم وعلى وجود هذه السلع ( الكمالية ) بالسوق المحلي.
وزاد بالقول إن( الإصرار) على تنفيذ هذا القرار سيدفع السوق نحو أزمة خانقة، ويربك حركة السلع، ويضاعف من معاناة المواطن الذي لا يحتمل المزيد من الفقر والبطالة والضغط الاقتصادي واضاف ان الفول المصري الذي ظل لفترة طويلة ضمن قائمة المنع رغم ان الحاجة الفعلية له تتجاوز 150 ألف طن سنويا ومع وجود نص قانوني يتيح الاستثناء تحول الامر الى سوق مواز يعرض عليك استثناء الاستيراد مقابل عمولة للطن.
سياسات متكاملة:

بروفسور طارق محمد الرشيد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة ام درمان الإسلامية اعتبر
قرار وقف استيراد عدد من السلع الاستهلاكية خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح، خاصة إذا كان الهدف منه حماية النقد الأجنبي، ودعم الإنتاج الوطني، وتقليل الاعتماد المفرط على الواردات التي أرهقت الميزان التجاري وأضعفت العملة الوطنية لسنوات طويلة.
وشدد على ضرورة استكماله بحزمة سياسات متكاملة تشمل دعم القطاعين الصناعي والزراعي، وتوفير التمويل، وتحفيز المنتج المحلي، وضبط السياسات التجارية والجمركية بما يضمن نجاح القرار وعدم تحوله إلى مجرد إجراء مؤقت.
واقر بوجود مخاوف من فجوات سلعية وضغوط معيشية، بيد انه أمن على ان الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يحتاج إلى قرارات شجاعة وصبر ووعي مجتمعي. وقال ان الانحياز للإنتاج الوطني لم يعد خياراً اقتصادياً فقط، بل أصبح موقفاً وطنياً وأخلاقياً في هذه المرحلة الحساسة.
واضاف بروف طارق ان أخطر ما يواجه مثل هذه القرارات ليس الجانب الفني فقط، بل مقاومة أصحاب المصالح الضيقة وجماعات الضغط التي اعتادت الاستفادة من اقتصاد الاستيراد على حساب مصلحة الوطن.
متمنيا ان تكون الخطوة بداية حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على أسس الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى المصلحة الوطنية لا المصالح الخاصة.
الغرفة القومية للمستوردين وصفت القراربالكارثي والمؤذي وغير المدروس وقال رئيس الغرفة الصادق جلال لا يعدو القرارتجريب المجرب وتكرارا لذات السياسات الفاشلة والخربة ولكن بسيناريو أسوأ في وقت يشهد فيه الاقتصاد تدهورا مريعا بسبب الحرب التي جعلت المواطن السوداني يعاني من ظروف معيشية بالغة السوء والتعقيد” مبينا ان القرار سيدخل المواطن في أوضاع معيشية صعبة يتحمل وحده مسئوليتها.
وقال في تصريحات صحافية قرار الحظر يعمل على منع المنافسة و تشجيع الاحتكار و خلق ندرة في السلع و فجوة في السوق السوداني وتشجيع التهريب وألمح إلى أن من هم خلف القرار سوف يحققون ارباحا طائلة وخرافية الا انها ستكون على حساب جيب المواطن المغلوب على أمره و على حساب الإيرادات العامة للدولة.
معالجة سعر الصرف:
واوضح رئيس الغرفة انه من السطحية بمكان أن تتم معالجة مسألة وقضية سعر الصرف بالكيفية الحالية و بحظر سلع لا تمثل ثقلا في الميزان التجاري بل و تحقق إيرادات أضعاف قيمتها للدولة منوها إلى أن حظر استيرادها يسبب عجزا كبيرا في ميزانية الدولة ولن يؤدي الا إلى المزيد من التدهور في قيمة الجنية السوداني وقال “كما أننا نؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه لا يوجد أي عجز في الميزان التجاري لافتا إلى أن ملف الذهب فقط يكذب الأرقام الرسمية و يحقق فائضا في الميزان التجاري.
وقال الصادق ان هذا القرار المثير للسخرية و المعيب نتاج عقول تخرب و لا تبني و ضمائر خربه تعمل على تغليب المصالح الذاتية دون المصلحة العامة من خلال استغلال ظروف تدهور قيمة الجنيه السوداني لتمرير قرارات كارثية وهي قرارات معاد تدويرها لم نحصد منها إلا السراب مثلما حدث في ٢٠١٧ مشيرا إلى انهم أضافوا عليها بدعة جديدة تسمى بنظام الحصص (يفتح باب الفساد على مصراعيه).
مطالبا بإعادة النظر في القرار و التراجع عنه و إلغاءه.