أمدرمان…عندما تتحول الأحياء والمنازل إلى مدافن
أمدرمان – الهضيبي يسن
مايزال يتذكر الشاب سامر عبدالله ابوكدوك, البالغ من العمر 38 عاما اللحظات التي قام فيها بدفن أمه داخل حجرة صغيرة داخل منزلهم بمنطقة (ابوروف) بمدينة أمدرمان غربي العاصمة الخرطوم.
ويقول سامر الذي كان يروي لنا قصته بصوت متقطع محاول تجميع شريط الذكريات التي عايشها خاصة ماقبل اشتداد المعارك العسكرية التي شهدتها المنطقة وأسفرت عن مقتل عشرات المواطنين في الحين.
يقول سامر إن والدته التي كانت تبلغ من العمر 64 عاما ومصابه بداء (السكري) الذي سبب لها مع مرورالسنوات مشاكل مرضية في القلب ما يعني إنها كانت تحتاج لعناية صحية خاصة, بعد إندلاع الحرب بنحو 3 أسابيع حاولنا جاهدين الخروج من المنطقة، ولكن للأسف أصرت والدتي على قرار البقاء وعدم مغادرة المنزل نظرا للارتباط الوجوداني لها بالمنزل حيث كانت تقول لنا (يا أولادي بعد ستين سنه هنا أمشي وين بس ولمنو خلوني أموت هنا) وهو ماحدث فعلا. 
ويمضي سامر في القول بعد ذلك أضطرنا إلى إخراج بقيه أفراد الأسرة خاصة النساء مخافة تعرضهم لأي أذي وآثرت أنا البقاء مع والدتي بمفردي بغرض تلبيه كل ماتحتاجه من وقت لآخر، ومع اشتداد المعارك بشكل يومي مابين الجيش والدعم السريع والتي كانت سببا في انقطاع خدمات المياه والكهرباء عن المنطقة وهو ماضاعف حجم الكارثة الإنسانية التي عشناها، حينها لم تكن هناك أي محال تجارية أو مخابز تعمل بالمنطقة على توفير المواد الغذائية وكنا نقتات فقط من بعض أصناف الأغذية مثل (العدس، البليله) التي قمنا بادخارها لبعض الوقت.
ويقول سامر بعد نحو عشرة أيام تقريبا من استمرار هذا الوضع نفذ كل مالدينا من مخزون غذائي وعلاج، فقمت مره آخره بمحاولة اقناع والدتي حاجة (بتول) بمغادرة المنزل حفاظ على أرواحنا, ووجدتها أكثر إصرارا على البقاء, حيث لم تستجيب لإلحاحي وتوسلاتي، حتى جاء يوم الاثنين الموافق 13 نوفمبر,
وهنا صمت سامر لدقائق – ثم واصل لاحديثه في تلك اليلة والساعة تقترب من منتصف الليل سمعت صوت والدتي وهو يناديني (سامر تعال) فهي بعادتها كانت تفضل المبيت داخل حجرتها التي أثرت عدم مفارقتها بالرغم من سماع أصوات المدافع وزخات الرصاص التي كثيرا ماكانت تنهال علينا.
فاسرعت عليها حيث وجدتها في وضع مغاير تبحث عن الأوكسجين نتيجة لضيق التنفس، فقد أصبح الجسم هزيل وغير قادر على المقاومة نتيجة لنقص الغذاء فحاولت حينها الاقتراب منها وسؤالها عن حاجتها فردت بكلمه فقط (عافيه منك ياولدي) وماهي إلا دقائق وفاضت روحها.
دفنتها داخل حجرتها:
يقول سامر رحلت والدتي وأنا لم استطيع توفير الطعام ولاحتى الدواء لها، رحلت والدتي بين يدي، بل وبسبب عدم القدرة على التحرك واشتداد المعارك وبعد مسافة المدافن وفراغ الحي من السكان بصورة شبه تامه قمت باتخاذ قرار دفن والدتي داخل حجرتها الصغيرة ووسط ذكرياتها وحوائط منزلنا الذي عشقته لنحو ستون عاما وفضلت البقاء بداخلة حتى آخر نفس من روحها.
من جانبها كشفت منظمة الصحة العالمية أن السودان يحتاج إلى مساعدات عاجلة بواقع 3 مليارات دولار لتلافي ماتعرض له القطاع الصحي بالبلاد نتيجة للحرب التي استمرت حتى الآن لنحو 20 شهرا
وأشارت إلى تحول بعض المساكن والأحياء بمنطقة أمدرمان إلى مدينة من الأشباح، على على التدهور البيئ جراء انتشار الجثث داخل المساكن التي تحولت إلى ومدافن.
وبدوره كشف عابدين درمة الشخصية الشعبية الأمدرمانية والذي ارتبط اسمه بالمدافن والقبور ,كشف في إفادة لصحيفة (أصداء سودانية) إنه قام بنقل رفاة 168 جثه تم دفنها داخل المنازل في أحياء ابوروف، الموردة، الحتانة، المنارة، العباسية، بانت, وأشار إلى أن الجثث بالأحياء أعدادها أكبر من هذا العدد وتوقع أن يتم نقل المزيد من الجثث خلال الفترة القادمة عبر الحملة التي قاموا بإطلاقها لذات الغرض ووجدت استجابة كبيرة.