المليشيا المتمردة … قراءة في أسباب الهزائم المتكررة
تقرير- أحمد عمر خوجلي:
انتصارات القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها على مليشيا الدعم السريع في المعارك الأخيرة في عدد من محاور القتال في نواح الخرطوم بحري ومناطق متعددة من ولاية الجزيرة وفي شمال درافور, يمكن أن تُعزى إلى عدة أسباب تتضمن عوامل عسكرية، استراتيجية، ولوجستية ومعنوية خصما وإضافة من الجانبين.
التنظيم والتخطيط:
للقوات المسلحة السودانية بنية تنظيمية متطورة وخبرة عسكرية طويلة في التخطيط وتنفيذ العمليات القتالية, فالجيش السوداني تجاوز عقود من الزمان ويمتلك كوادرعسكرية من الضباط والجنود توارثت القدرات والخبرات عبرالسنوات، وتشتمل هياكله على مؤسسات ومراكز ومراصد فنية ومعلوماتية مما يمكن ويرفع مستوى القدرة على التخطيط وبنفس طويل, بينما كانت مليشيا الدعم السريع تقرع طبول الحرب بمقولة (الحفر بالإبرة ) في مقابل مجموعات أشبه بقطاع الطرق من المشاة الذين تحركهم حمية قبيلية ورغبة في الحصول على الغنائم, و كثيرا ما اوردتهم موارد التهلكة والانتشار بدون حسابات استراتيجية عميقة ورؤية مستقبلية.
إضافة إلى ذلك نجد أن القوات المسلحة السودانية تمتلك برغم الهزات التي تعرضت لها خلال العشرين شهرا الماضية أسطول ومركبات وأسلحة نوعية كثيرة و بتكنولوجيا عسكرية متقدمة وعتاد نوعي يتيح لها التفوق على المليشيا وأقوى أمثلة لذلك سلاح الجو والمدرعات والمسيرات والمدفعية بكافة أنواعها.
قيادة مؤهلة:
في القوات المسلحة القيادة المؤهلة التي تقاتل جنبا إلى جنب مع جنودها حتى في المناطق العسكرية المحاصرة في القيادة العامة وفي أسلحة الاشارة والمدرعات في الخرطوم، وفي كل المواجهات فالجميع لا قبيلة ولا إثنية لهم سوى الوطن السودان, بخلاف الملبيشيا التي لم تجتمع إلا لمال أو لإنتقام من إثنية معينة ، إضافة لامتلاك الجيش القومي لغرفة توجيه مركزية وتخطيط, لها القدرة على تنسيق العمليات العسكرية على كافة الأصعدة والمواجهات المختلفة على كل مساحات السودان واتخاذ القرارات بسرعة وحكمة، ولقد بات من الواضح استخدام هذه القيادة لخطط عسكرية محكمة تناسب طبيعة المعركة مكانها وزمانها، مثل السيطرة على النقاط الحيوية والمواقع الاستراتيجية وكيل الضربات الساحقة على المليشيا كما هو الحال في منطقة الزرق بشمال درافور أو الضربات الخاطفة للشحنات العسكرية لمطار نيالا حيث تستقبل المليشيا شحنات من الاسلحة
المساندة الشعبية:
وجود الدعم الشعبي المحلي للقوات المسلحة بصورة كبيرة بسبب سلوك المليشيا الحربي واتساع دائرة الانتهاكات ضد المواطنين عزز من روحها القتالية, وفي المقابل أضعف المليشيا التي صارت معزولة وأضحت شعاراتها البراقة عن الديموقراطية ومصالح الشعب السوداني بعيدة عن الواقع , وفقدت التعاطق الشعبي معها تماما والتعاطق مع من يتعطاف معها أو حتى يقف موقف الحياد منها.
ولا ننسى المشاركة الفاعلة للقوات المساندة التي لعبت أدوارا مهمة تجاوزت ادوار الجيش في مناطق مثل درافور وجنوب كردفان عبر المستنفرين والقوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح ، فضلا عن مجموعات من المجاهدين من ذوي الخبرة السابقة في العمليات القتالية ، أما المقاومة الشعبية في كثير من المناطق الآمنة فقد لعبت دورا في المحافظة على الأمن في داخل تلك المناطق ورفد مناطق أخرى بالمتطوعين المدربين ، كما نجد أن مجموعات من رجال الأعمال والمغتربين والمواطنين قد تنادوا وسارعوا إلى تقديم الدعم المالي والعيني للقوات المسلحة ولكتائب المتطوعين
التعبئة والدعم اللوجستي:
بالرغم من الإنهاك الاقتصادي للبلاد بسبب الحرب وخروج ولايات عديدة من دائرة الإنتاج , توافرت مصادر داخلية وخارجية من القدرات الاقتصادية عبر جهود وزارة المالية والمعادن وبنك السودان أدت إلى امتلاك القوات المسلحة مواردا لوجستية كافية لدعم العمليات الطويلة مثل الذخيرة والإمدادات الغذائية والطبية.
التأييد السياسي :
مع المساندة الشعبية التي وجدها الجيش السوداني والقوات المساندة له في مجالات شتى، نجد مساندة أخرى في جانب سياسي أصبحت كتلة تتزايد يوما بعد يوم، وبرزت كيانات وكتل وأحزاب وشخصيات قومية تساند القوات المسلحة والحكومة القائمة في بورتسودان من منطلق سياسي, في وقت صارت فيه حظوظ الدعاوى السياسية للمليشيا أو من يراهن عليها من قوى سياسية متراجعة إلى درجة وصلت إلى العزلة الكاملة وفقدان المستقبل وسط شعب صار يحملها مسئولية ما تعرض له من انتهاكات المليشيا، وفي ذات الوقت برزت قوة التحركات الخارجية السودانية وتنامت في الفترات الأخيرة بشكل واضح والتي وصلت قمتها باستخدام روسيا لحق النقض ضد مشروع القرار البريطاني من مجلس الأمن وكذلك النشاط المضاد في مجلس الشيوخ الاميركي والضغط على الرئيس جو بايدن باتخاذ موقف حاسم ضد المليشيا وضد الدولة الداعمة لها ، هذا غير الدور المصري والتحولات التدريجية في مواقف الاتحاد الإفريقي والتواصل مع دول كبرى .
فقدان القوة والتماسك:
منذ صبيحة يوم 15 من أبريل من العام الماضي ، ظنت المليشيا ومن يقف خلفها أن الأمر لن يتجاوز نهار ذلك اليوم ويتم بعدها اختطاف الدولة وقرارها بالكامل وانجاز تغيير دراماتيكي في كل شي، لكن مضت الرياح بما لا يشتهي السفن وتطاول أمد الحرب وتداخلت فيها عوامل أدت إلى صمود القوات المسلحة المساندة التي وجدتها من قطاعات الشعب السوداني بتشكيلاته المختلفة وبفضل الدورالمحوري للقوات المشتركة وقوات الأجهزة النظامية الأخرى، كل ذلك أدى لإحداث استنزاف لموارد المليشيا البشرية والمادية وتراجع الروح القتالية مع طول فترة القتال وتأخر النصر إن لم تكن استحالته، هذه الأسباب مضاف إليها العديد من التفاعلات الأخرى داخل جسم هلامي كبير كالمليشيا تعددت وتنوعت مصادر انخراطه وتوجهات أغراضه ودوافعها، كل ذلك ساعم في بروز خلافات وهروب من ساحات المعارك وعودة كثيرين إلى الفجاج التي قدموا منها ، فقد كشفت انتصارات القوات المسلحة ومن يساندها من مجموعات – وبشكل طردي – عن خلافات عميقة بين المجموعات الإثنية داخل صفوف مليشيا الدعم السريع وصل إلى حد القتال والاشتباك بالسلاح وتكرر هذا في كثير من مناطق ولاية الجزيرة وشرق النيل في الخرطوم بحري وكذلك بمنطقة سوبا حيث أدت الصراعات والخلافات إلى كسر السجن وكل هذه الخلافات تؤدي إلى إضعاف قدرتها على القتال ودونكم تسجيلات ابو جلحة أو السافنا وغيرها من قيادات المليشيا, ولا ننسى استغلال ما تبقى من مخططي مؤامرات المليشيا لوالد الغائب محمد حمدان دقلو حتى يستعجل الجالسين مع ربات الخدور والمقاهي في القرى والحلال ونسوا أحلامهم في السيطرة على البلاد وارضوا من الغنيمة بالمسروقات والنجاة.