تلوث مياه الشرب ..جرائم أخرى للمليشيا
- آبار ببحري تحتوي على بكتريا (كوما شيب) السبب الرئيسي للكوليرا
- المليشيا تتسبب في تلوث وادي (برلي) المصدر الرئيسي للمياه بمدينة نيالا
- تلوث البيئة الهوائية يهدد سكان جبرة والأزهري والعزوزاب والدباسين
- المجلس الأعلى للبيئة: ارتفاع ملحوظ في تراكيز الملوثات بالنيل الأبيض
- محطة الصرف الصحي بسوبا بوضعها الراهن غير مؤهلة للتخلص من المواد العضوية القابلة للتحلل بيولوجيا
تحقيق ــ التاج عثمان
هل مياه الشرب التي تنساب للمواطنين داخل منازلهم بولاية الخرطوم ويشربونها مع أطفالهم مياها صالحة فعلا ام يشوبها بعض التلوث؟.. سؤال حائر ظل يتردد على افواه سكان العاصمة خاصة بعد إندلاع الحرب وتفشي مرض الكوليرا.. أين الحقيقة فيما يثيرة البعض من تلوث مياه الشرب من مصادرها المختلفة مستدلين على ذلك بموجة الإسهالات المائية التي إنتشرت ببعض أحياء الولاية بمدنها الثلاث؟.. وما حقيقة المعلومات الخطيرة التي تحصلت عليها الصحيفة حول شح وتلوث مياه الشرب بمدينتي الفاشر ونيالا.. التحقيق التالي يسلط الضوء على هذه القضية المثيرة للجدل.
تلوث مياه العزبة:
في أكتوبر 2024 أثبتت نتائج لتحليل مياه عينات المياه لآبار مياه منطقة العزبة ببحري شرق النيل على ذمة تقريرغرفة طوارئ بحري، أشار التقرير المائي انه بعد اخذ عينات للمياه المأخوذة من آبار منطقة العزبة، كانت نتائج تحليل العينة كالآتي
كل الآبار تحتوي على أملاح، وتتفاوت الآبار في الرقم الهيدروجيني، وتحتوي مياه الآبار على ميكروبات وجراثيم.. وان الميكروبات التي تسبح في مياه آبار العزبة عبارة عن طفيليات وجراثيم، تنتمي الطفيليات إلى طفيليات الأمعاء، وأكثرها خطورة هي طفيليات (هيمانوليبس)، والتي تشكل خطرا كبيرا على الإنسان وتفتك به، وهي السبب الرئيسي لإنتشار الإسهالات.. كما ان التحليل أظهر ان بعض الآبار تحتوي على بكتريا (كوما شيب)، والتي تعد السبب الرئيسي لظهور حالات الكوليرا الأخيرة.. اما الإسهالات فسببها (الديدان المعوية)، وأكثرها إنتشارا هي (الدودة القزمية)، وبكتريا (كوماشيب) المسببة للكوليرا.. وحسب متابعات الصحيفة ان الجهات المختصة تبذل حاليا جهودا حثيثة ومقدرة لمعالجة كل ملوثات المياه التي تسببت فيها الحرب حتى ينعم المواطنين بمياه صحية نقية، وذلك رغم ما أحدثته المليشيا المتمردة من دمار وخراب في محطات المياه خاصة النيلية.
تلوث النيل الأبيض:

تقرير فني آخر، تحصلت (أصداء سودانية) على نسخة منه، التقرير صادر من المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، يتعلق بتلوث مياه النيل الأبيض بمخلفات الصرف الصحي بمنطقة الدباسين الواقعة على حدود مجرى النيل الأبيض، وهي في الحقيقة قضية قديمة متجددة.. وأوضحت نتائج التحاليل المختبرية لمياه النيل الأبيض ومياه الصرف الصحي والمواقع الأخرى التي تمت دراستها تسجيل إرتفاعا ملحوظا في تراكيز الملوثات التي تجاوزت الحدود المحلية المسموح بها.. بجانب تواجد كميات كبيرة من الذباب والبعوض حول القناة الناقلة لمياه الصرف الصحي، يشاهد بصورة واضحة بالقرب من مجمع اليرموك العسكري.. بالإضافة إلى تلوث في هواء البيئة التي يتعرض لها العاملين وسكان المناطق المجاورة، ما يتسبب في نقل أمراض معدية وأمراض الصدر التي يسببها تلوث البيئة الهوائية لسكان مناطق: (جبرة ــ الأزهري ــ الدباسين ــ العزوزاب ــ أبو آدم ــ القلعة)، بجانب العمارة على طريق النيلين المعروف بشارع الهواء.
وتوصلت دراسة المجلس الأعلى للبيئة إلى وجود ثلاث مصادر أساسية للتلوث هي: محطة الصرف الصحي بسوبا، وهي بوضعها الحالي ــ وقت الدراسة ــ غير مؤهلة للتخلص الآمن للمواد العضوية القابلة للتحلل بيولوجيا، والبكتريا والفيروسات الممرضة بعد المعالجة، لذلك أوصت الدراسة ضرورة العمل على تحسين كفاءة محطة سوبا للصرف الصحي بتطوير المعالجة لتكون معالجة ثلاثية، أي: (فيزيائية ــ كيمائية ــ بيولوجية).. كما اوصت الدراسة أنه ونظرا للنسبة العالية لدرجة التلوث من المصادر المذكورة فلا بد من إتخاذ الترتيبات الآنية والعاجلة لحماية صحة المواطنين الذين يعيشون بالقرب من المصادر المذكورة خاصة محطة سوبا لمعالجة الصرف الصحي والنيل الأبيض.
مصادر المياه بالعاصمة:
معلوم ان العاصمة القومية تعتمد في مياه الشرب على 13 محطة نيلية، إضافة إلى 7 محطات ضغط، بجانب 1400 بئر جوفية.. وتعد محطات مياه المقرن، وبحري، والخوجلاب، وبيت المال المحطات الأكبر، جميعها سبق ان توقفت جميعها وخرجت عن الخدمة تماما بسبب تعرضها لتدمير جزئي نتيجة قصفها المتعمد بواسطة مليشيا الدعم السريع أثناء حرب الخرطوم، ولعدم تمكن فرق الصيانة الوصول إليها لصيانتها حيث منعتهم المليشيا التي كانت تتمركز داخل وامام المحطات الوصول إليها لإصلاحها.. بجانب إنقطاع التيار الكهربائي، وإنعدام مستلزمات التنقية مثل الكلور.. وفي الإسبوع الأول من الحرب إحترقت محطة مياه بحري والتي كانت تنتج نحو 280 ألف متر مكعب من المياه ما تسبب في نزوح الآف الأسر من أحياء الخرطوم بحري التي تغذيها المحطة.
من جانب آخر تم تسجيل عدد من الوفيات بالخرطوم بسبب شرب مياه ملوثة غير صالحة، وكان تأثيرها كارثيا على مرضى الفشل الكلوي.. ومن أسباب تفشي الكوليرا بولاية الخرطوم في فترة سابقة إنقطاع التيار الكهربائي الذي أدى بدوره لتوقف محطات المياه، ما جعل المواطنين في ظل إنعدام المياه الصالحة للشرب إبان حرب الخرطوم يضطرون إلى تناول مياها ملوثة من مصادر غير آمنة مثل الآبار المهجورة، او الآبار مالحة المياه، او الآبار السطحية، او المياه المسحوبة مباشرة من النيل.. أحد الناشطين بإحدى غرف الطوارئ قال:
ظهرت عدة حالات لإصابات بأمراض مختلفة وسط المواطنين بضاحية شرق النيل، والحاج يوسف، نتيجة شرب مياها ملوثة، حيث إضطر بعض السكان إلى الشرب من الآبار القديمة، وبعضهم لجأ للشرب من آبار الصرف الصحي داخل المنازل التي لم تكتمل بسبب العطش بعد ان جفت كل مصادر المياه الصالحة جراء إنقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة.. والبعض كان يشرب من مياه النيل مباشرة رغم خطورة ذلك صحيا، وبعض السكان لم يجدوا مياها لغسل جثامين موتاهم!!.. وحسب شهود عيان صرحوا لموقع، عاين، ان نقص المياه بالخرطوم جعل بعض سكان الأحياء أثناء الحرب يضطرون لشرب المياه الملوثة المختلطة بمياه الصرف الصحي.. ونتيجة لذلك رصدت لجنة طوارئ بحري إصابات بأمراض جلدية، وسوء هضم، وحصاوي الكلى، والفشل الكلوي وسط سكان بعض أحياء الخرطوم بحري.
تلوث وادي برلي:
إذا كان ذلك حال العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث، فما بالكم بالوضع المائي بإقليم دارفور أثناء الحرب التي لا تزال محتدمة هناك؟.. المعلومات التي تحصلنا عليها من بعض المصادر هناك يشيرون ان معاناة سكان إقليم دارفور أفدح وأصعب، خاصة مدينتي الفاشر ونيالا، حيث تسببت عمليات القصف العشوائي هناك من جانب المليشيا المتمردة في تلوث مصادر مياه الشرب،الشحيحة أصلا، مثل الوديان والحفائر، بجانب توقف الآبار الجوفية نتيجة شح الوقود، حيث خرجت عشرات محطات مياه الشرب عن الخدمة بمدينة الفاشر ما يعد من العوامل الرئيسية لنزوح الالاف من سكانها بسبب إنعدام المياه الصالحة للشرب.. مدير هيئة المياه بولاية شمال دارفور، عبد الشافع عبد الله، صرح لموقع، (عاين) قائلا:
الإمداد المائي بمدينة الفاشر توقف بسبب نفاذ الوقود الخاص بتشغيل محطات المياه ونقص الكهرباء نتيجة الحرب، والأسعار المرتفعة للوقود والشحوم وقطع الغيار، بجانب نقص دعم الشركاء العاملين في قطاع المياه بولاية شمال دارفور من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.. وهناك مناطق أخرى عديدة تعاني من العطش.
متابعات الصحيفة تفيد ان قذائف المليشيا التي إستهدفت في السابق مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تسببت في تلوث وادي (برلي) والذي يعد المصدر الرئيسي للمياه لمدينة نيالا، وهو يحتوي على 40 بئرا تغذي شبكة المياه الداخلية لمدينة نيالا، وهناك خطر كبير يهدد سكان المدينة بتلوث المياه، ولذلك ظل سكان نيالا خلال الحرب يعتمدون على الآبار المفتوحة والتي تعاني نقصا في مواد تنقية المياه خاصة الكلور.. وهكذا لم تترك المليشيا المتمردة مرفقا إلا ودمرته مع سبق الإصرار والترصد ضمن إستهدافها للبنيات التحتية الإستراتيجية للشعب السوداني والدولة السودانية.