
نشوء الأحلاف ونمو المحاور.. البحر الأحمر كساحة لإعادة تشكيل النفوذ(1-2)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*لم يعد البحر الأحمر مجرد شريط مائي يصل المتوسط بالمحيط الهندي عبر قناة السويس وباب المندب؛ بل أصبح مسرحًا لتنافس و نشوء محاور وأحلاف حديثة ترتكز على رسم حدود جديدة للأمن القومي للدول المنخرطة فيها، وبدأت تتشكل على ثلاثة أسس رئيسية تتداخل ما بين أمن الطاقة والتجارة العالمية (حيث أن تعطّل الملاحة ينعكس فورًا على الأسواق)، التموضع العسكري والقواعد على الساحلين الشرقي و الغربي للبحر الأحمر والجزر والموانئ، والهندسة السياسية للدول المشاطئة عبر ترتيبات نفوذ مباشرة أو حروب بالوكالة. وفي مناطق كهذه، يصبح الاستقرار نفسه سلعة سياسية؛ ومن يمتلك مفاتيح الاستقرار يمتلك مفاتيح المرور، والضغط، والمقايضة.
*المحاور والأحلاف لا تولد فقط من قربٍ أيديولوجي، بل كثيرًا ما تتشكل وفق منطق المصلحة القابلة للتبادل و كذلك التهديدات المتوقعة والمشتركة. ومن أهم عوامل نشوء المحاور في بيئات السيولة الإقليمية.
*فراغ القوة أو تراجع الضامن التقليدي عندما تتباين مواقف القوى الكبرى أو تنشغل بملفات أكبر، تتقدم القوى الإقليمية لملء الفراغ بالأصالة او وكالةً عن هذه القوى الكبرى.
*الممرات والاختناقات الجيوستراتيجية: باب المندب وقناة السويس ليسا جغرافيا فقط؛ إنهما رافعة نفوذ و أدوات سيطرة
*الاقتصاد– الأمن: الموانئ، اللوجستيات، الأمن البحري، الشركات العابرة… كلها أدوات نفوذ بلباس اقتصادي.
*حروب الوكالة كأداة أرخص: بدل مواجهة مباشرة، يتم دعم فاعلين محليين لتعديل ميزان القوة من الداخل.
*تكتيك خلخلة الأوتاد و هد الركائز: أي إضعاف أعمدة و ركائز دولة محورية حتى تُفرض عليها ترتيبات إقليمية مناسبة
الحرب في السودان ليست صراعًا على السلطة أو تنازع عسكري مجرد؛ بل هي أيضًا نافذة لاختبار ترتيبات نفوذ في دولة تُعد “عمودًا فقريًا” في أمن البحر الأحمر موقعًا، وساحلًا، وموانئ، وعمقًا بريًا يربط القرن الإفريقي بوسط إفريقيا امتدادًا إلى غربها.
*ومن زاوية صراع المحاور، فإن أخطر ما ينتج عن الحرب هو: -إضعاف الدولة المركزية وتفريغ مؤسساتها
-تفتيت المجال السيادي (تعدد مراكز القرار، تضارب الشرعيات، تمدد اقتصاد الحرب.
-ضرب الجيش والصناعة الدفاعية بوصفهما وتدين للتماسك الوطني. هذه هي خلخلة الأوتاد و هد الركائز عمليًا، ليس المطلوب بالضرورة احتلالًا كلاسيكيًا، بل إنتاج دولة رخوة يسهل التأثير عليها وتوجيهها.
*في اليمن، تتجلى الفكرة ذاتها: من يملك الشرق- الجنوب وممراته وبواباته البحرية يملك جزءًا من معادلة البحر الأحمر–خليج عدن. ومؤخرًا ظهرت توترات واضحة حول حضرموت والمهرة، حيث حذّر التحالف الذي تقوده السعودية من تحركات عسكرية قد تقوض مسار التهدئة، في سياق شدّ وجذب مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا. كما نقلت تقارير أن الرياض ضغطت باتجاه التهدئة والانسحاب السلمي وتجنب الانفراد العسكري في تلك المناطق.
*والدلالة هنا أن باب المندب ليس نقطة جغرافية معزولة عن حضرموت والمهرة وسقطرى وما حولها، بل شبكة تأثير متصلة. وكل توتر في هذه العقد يُقرأ ضمن سباق المحاور على المفاتيح.
*كذلك، فإن التحول الأبرز في الأيام الأخيرة هو إعلان إسرائيل الاعتراف بـ“أرض الصومال” كدولة مستقلة، بوصفها أول دولة تقوم بذلك، وما ترتب على ذلك من موجة إدانات ورفض إقليمي ودولي، مع تأكيد واسع على وحدة أراضي الصومال. هذا الاعتراف (بغض النظر عن دوافعه النهائية) يُحدث ثلاثة آثار سياسية مباشرة.
*كسر سقف التحريم: فتح الباب أمام أطراف أخرى لاختبار الاعتراف أو الاستثمار السياسي.
*زيادة حساسية الممر: لأن موقع “أرض الصومال” قريب من باب المندب وخليج عدن، ما يجعله جزءًا من حسابات الأمن البحري.
*إعادة تشكيل الاصطفافات: إذ يُتوقع أن يدفع ذلك دولًا مشاطئة ومؤثرة إلى تشديد مواقفها أو بناء ترتيبات مضادة.
*إن جملة الأحداث السياسية و العسكرية المتسارعة و المتوالية مؤخرًا، تُطرح فرضية نشوء “تحالف إماراتي–إسرائيلي يشتغل عبر الوكلاء لتطويق الإقليم وجعل السودان “ساحة اختبار. هذه الفرضية السياسية تدعمها
وقائع موثقة (تحركات دبلوماسية معلنة، علاقات رسمية، قرارات اعتراف).
*اتهامات شبه مؤكدة (مسارات سلاح/مرتزقة/تمويل)، مسنودة بالأدلة والتحقيقات. ومع ذلك، توجد بالفعل تقارير استقصائية ناقشت خطوط نقل ووجود مرتزقة (منهم كولومبيون) في مسرح الحرب السوداني وربطت بعض القصص بجهات إقليمية، مع وجود نفي وإنكار رسمي إماراتي. يجدر هنا، الإشارة إلى أن “اقتصاد الحرب” وشبكات الإمداد العابرة للحدود أصبحت جزءًا من أدوات المحاور في المنطقة، وأن البحر الأحمر يوفر مسرحًا مثاليًا لهذه الأنماط.
*من زاوية تحليلية، اشتهرت إسرائيل تاريخيًا ب”تراكم المكاسب البطيء”؛ نفوذ متدرج، علاقات هامشية تتحول إلى نقاط ارتكاز، ثم إلى ترتيبات.
لكن اعترافًا مثيرًا للجدل مثل ملف أرض الصومال قد يكون قفزة سريعة قد تُنتج ارتدادات تضر باستراتيجيات اسرائيل التي عرف عنها ثبات المقاصد و الصبر على تحقيق الأهداف، من هذه الارتدادات المتوقعة: توحيد خصوم متفرقين ضد خطوة واحدة.. دفع مؤسسات إقليمية ودولية للتشدد.. تعقيد حسابات الشركاء أنفسهم على ساحلي البحر الأحمر . وقد رأينا بالفعل حجم الرفض العلني والإدانات بعد القرار.
*وقد يربح التكتيك لحظة لكنه وحتمًا يُربك الاستراتيجية طويلة النفس إذا بالغ في استفزاز البيئة المحيطة دفعة واحدة.