آخر الأخبار

الطريق لضبط الفضاء الرقمي واستعادة هيبة الإعلام

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد   

دكتور مزمل سليمان حمد     

 

*في خطوة يمكن وصفها بالشجاعة والمهمة، اتخذت وزارة الثقافة والإعلام قرارًا طال انتظاره لتنظيم عمل المنصات الإعلامية الإلكترونية والقنوات المختلفة داخل البلاد، عبر منح مهلة محددة لتوفيق أوضاعها القانونية والحصول على التصاريح اللازمة. هذه الخطوة، رغم تأخرها، تمثل تحولًا جوهريًا في مسار ضبط المشهد الإعلامي الذي شهد خلال السنوات الماضية حالة من الانفلات غير المسبوق، انعكست آثاره بصورة مباشرة على استقرار المجتمع وتماسكه.

*لقد أصبحت المنصات الإلكترونية اليوم جزءًا أصيلًا من بنية الإعلام الحديث، لا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من دورها في نقل الأخبار وتداول المعلومات وصناعة الرأي العام.. فهي توفر سرعة الوصول، وتكسر احتكار المعلومة، وتفتح المجال أمام تعددية الأصوات، وهي مزايا لا يمكن إنكارها. غير أن هذه الحرية الواسعة، حين لا تُقابل بمسؤولية مهنية وأخلاقية، تتحول إلى سلاح خطير يهدد المجتمعات بدل أن يخدمها.

*ما حدث في الحالة السودانية خلال الفترة الماضية يقدم مثالًا واضحًا على هذا الانفلات؛ حيث تجاوزت بعض المنصات حدود المهنية، وانخرطت في نشر الشائعات، وبث خطاب الكراهية، والترويج لمعلومات مضللة، بل وصل الأمر إلى انتهاك صريح للحريات عبر التشهير والتجريح والتأليب.. هذا الاستخدام غير المسؤول للفضاء الرقمي لم يكن مجرد أخطاء مهنية عابرة، بل أسهم في تأجيج الفتن وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وأصبح أحد العوامل المؤثرة في حالة التوتر التي يعيشها المجتمع.

*من هنا، تأتي أهمية القرار الأخير، ليس بوصفه إجراءً إداريًا فحسب، بل باعتباره محاولة جادة لإعادة الاعتبار لمهنة الإعلام، ووضع حد للفوضى التي أضرت بسمعتها ومصداقيتها. فتنظيم العمل الإعلامي لا يعني تقييد الحريات، بل حمايتها من العبث، وضمان ممارستها في إطار من المسؤولية والالتزام بالقانون.

*إن منح مهلة زمنية محددة لتوفيق الأوضاع يعكس نهجًا متوازنًا يجمع بين الحزم والمرونة، حيث أُتيحت الفرصة أمام المؤسسات لتصحيح مسارها دون تعسف، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن استمرار المخالفة بعد انتهاء المهلة لن يكون مقبولًا. وهذا يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويفتح الباب لمرحلة جديدة عنوانها الانضباط والاحتراف.

*غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف على صدور القرار وحده، بل يرتبط بدرجة الاستجابة له من قبل المؤسسات الإعلامية، وخاصة المنصات الإلكترونية التي ظلت تعمل خارج الأطر التنظيمية. المطلوب اليوم ليس مجرد تسجيل شكلي، بل إلتزام حقيقي بمعايير المهنية، وتبني مواثيق شرف إعلامية تضبط الأداء وتوجهه نحو خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.

*كما أن هذه المرحلة تفرض ضرورة تطوير آليات رقابة فعالة، لا تستهدف التضييق، بل تسعى إلى ضمان جودة المحتوى وحماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى المعلوماتية. فالإعلام الحر لا يمكن أن يكون فوضويًا، كما أن التنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية. المعادلة الدقيقة تكمن في تحقيق التوازن بين الحق في التعبير والواجب في عدم الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع.

*وفي سياق استكمال هذا المسار الإصلاحي، يبرز مقترح ضروري يتمثل في إنشاء هيئة متخصصة للإعلام الإلكتروني، تكون معنية بتنظيم هذا القطاع الحيوي والإشراف عليه بصورة احترافية ومؤسسية. فطبيعة الإعلام الرقمي، بتعقيداته وتسارعه، لم تعد تحتمل المعالجة التقليدية، بل تحتاج إلى كيان مرن ومواكب، يضع الأطر المهنية والتقنية، ويسهل إجراءات التسجيل والترخيص، ويعمل على بناء القدرات ودعم المنصات الجادة، بدل الاكتفاء بالعقوبات والإجراءات الردعية. إن وجود هيئة كهذه من شأنه أن يعزز الثقة، ويخلق بيئة إعلامية صحية تقوم على التوازن بين الحرية والانضباط، فتحافظ على المكتسبات ولا تفرط فيها، وتبني هذا القطاع ليكون رافعة للوعي الوطني لا معول هدم.

*إن الرسالة الأهم في هذا القرار هي أن الدولة بدأت تستعيد دورها في تنظيم المجال العام، وأن زمن العمل الإعلامي بلا ضوابط قد انتهى. وهذا يتطلب من جميع الفاعلين في الحقل الإعلامي أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، وأن يدركوا أن الكلمة لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت فعلًا مؤثرًا قد يبني أو يهدم.

*في المحصلة، يمكن القول إن هذه الخطوة، رغم تأخرها، تمثل بداية ضرورية لتصحيح المسار، وفرصة لإعادة بناء الثقة في الإعلام السوداني. وهي دعوة صريحة لكل المنصات والمؤسسات إلى المبادرة بالتسجيل، والالتزام بالقانون، ومراجعة محتواها، حتى يكون الإعلام أداة للبناء لا للهدم، وجسرًا للوحدة لا منصة للفتنة. ومن يلتزم ويجتهد يستحق التقدير والدعم، أما من يصر على المخالفة، فالمساءلة القانونية يجب أن تكون حاضرة، حمايةً للمجتمع وصونًا لمستقبل الإعلام.