آخر الأخبار

وطن مصاب بمرض الفراق… السودان 1956-2024

 

عمرو خان

*السودان، تلك الدولة الشاسعة التي تمتد على مساحة تتجاوز مليون ميل مربع، تحمل في تضاريسها ثراءً بشرياً وطبيعياً لا يكاد يُحصى. منذ الاستقلال في 1 يناير 1956، لم يكن هذا الوطن محظوظًا بالسلام والسكينة، بل ظل يركض وراء الاستقرار دون أن يطال منه سوى القليل. يعتبر السودان نموذجًا معقدًا لتقاطع الجغرافيا بالتاريخ، ولتداخل الأعراق والثقافات في صراعٍ مرير مع نفسه، ومع محيطه الإقليمي والدولي. لكن، ما الذي يفعله هذا الصراع بعقلية الإنسان السوداني، وبوجدان الوطن نفسه؟

*السودان: دولة بحجم الجغرافيا ولكن

منذ أن تحرر السودان من الاستعمار البريطاني المصري في عام 1956، كان يأمل في تحقيق الوحدة الوطنية، غير أن هذا الأمل سرعان ما تصادم مع الواقع. على الرغم من أن السودان يمتلك من التنوع الثقافي والعرقي ما يجعله نموذجًا فريدًا في تنوعه، إلا أن هذا التنوع لم يكن مصدر قوة، بل تحول إلى مصدر إضعاف، حيث غابت الرؤية الوطنية الموحدة وسط تنامي النزاعات السياسية والعرقية.

*كانت بداية الصراع السياسي في السودان تظهر بوضوح في حقبته الأولى بعد الاستقلال، حيث نشأ نزاع مرير حول شكل الدولة، هل هي دولة إسلامية أم علمانية؟ ومع ذلك، كان الخلافات السياسية مجرد بداية لمجموعة من النزاعات التي تغذت على التهميش السياسي والاقتصادي الذي تعرض له الجنوب السوداني، مما أدَّى إلى أولى مراحل الحرب الأهلية السودانية بين الشمال والجنوب (1955-1972

*ثم جاء اتفاق اديس ابابا في عام 1972 ليمهد الطريق للسلام، لكن الحروب الأهلية استمرت في مرحلة أخرى بشكل أكثر تعقيدًا، حتى انفصل الجنوب عن الشمال في 2011، وأصبح دولة مستقلة باسم جنوب السودان، لكن المأساة كانت أن السودان فقد جزءًا كبيرًا من ثرواته البشرية والجغرافية.

*الفراق: حرب وتهجير دائم: الفراق في السودان لم يكن مجرد نتيجة للنزاعات المسلحة، بل كان حدثًا تاريخيًا مكررًا ينقض على حياة العديد من السودانيين الذين فقدوا وطنهم أو هجّروا منه نتيجة الحروب المتواصلة. الفراق هنا ليس مجرد مغادرة جغرافية، بل هو فراق ثقافي، اجتماعي، ووجداني. فإلى جانب النزاع بين الشمال والجنوب، شهدت السودان موجات متتالية من النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث تساقطت الأرواح وضاعت الهوية الثقافية في دوامة من اللجوء والنزوح.

*مئات الآلاف من السودانيين، بل ربما الملايين، اضطروا للفرار من ديارهم بحثًا عن الأمان في دول الجوار أو في أماكن أبعد، في أوروبا أو أمريكا، وما زالت أعداد اللاجئين السودانيين في الخارج في تزايد. هؤلاء لا يتذكرون متى سيعودون، ولا إذا كانوا سيعودون على الإطلاق. مع كل “مغادرة” كان ثمة فقدان لجزء من الهوية السودانية، جزء من الذاكرة الوطنية، وجزء من الروح السودانية التي كانت تحتفظ بهذه التعددية الجميلة.

*السودان ما بعد الاستقلال: أزمة وطنية بلا حل: إن خيبة الأمل التي أصابت السودانيين بعد الاستقلال وتوالت الأزمات السياسية والانقلابية كانت محصلة طبيعية لغياب “السودان المواطن” من مسرح السياسة السودانية. فبينما كان السودان يتجاوز عقبات من قبيل النقص الاقتصادي والحرمان الاجتماعي، كان الصراع على السلطة يزداد تأججًا. لم يتحقق الاستقرار في البلد، بل تزايدت الانقسامات بسبب تفاوت الحظوظ بين مختلف القبائل والأعراق، وبرزت مشكلة التوزيع العادل للموارد كأحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحروب الأهلية في البلاد.

*كلما حاولت الحكومات السودانية التصالح مع نفسها ومع أبناء الوطن، كان يغيب أحد أبرز مقومات الاستقرار: العدالة. فقد خسر السودان جزءًا كبيرًا من رأس ماله البشري والاقتصادي بسبب الانقسامات الداخلية والنزاعات المستمرة، التي أدت إلى مغادرة الكثيرين عبر الحدود أو إلى دول أخرى، سواء في نطاق الشرق الأوسط أو في أوروبا.

*مفارقات الفراق: اللجوء، النزوح، والشتات: تتعدد تجارب الفراق في السودان، ويمثل الشتات أحد أبرز تجليات هذا الفراق. اللاجئون السودانيون في الخارج يحافظون على صلاتهم مع الوطن في أوقات الأزمات، ولكنهم يعانون من الغربة، والبحث عن الهوية بين مجتمعهم المضيف وبين وطنهم الذي لا يمكنهم العودة إليه بسبب الأوضاع السياسية المعقدة. هؤلاء الأشخاص يحلمون دائمًا بالعودة، ولكنهم لا يعرفون متى ستكون العودة، إن كانت ستحدث أصلاً

*أما النازحون داخل السودان، فيواجهون تحديات قاسية من حيث توفير المسكن والمأكل والماء والتعليم في أماكن النزوح التي تفتقر إلى أبسط المقومات الإنسانية. وقد أدت هذه الظروف إلى ظهور “مناطق حظر التنمية، والتي تساهم في تعميق الأزمة في المجتمع السوداني.

*السودان اليوم: بين الفراق والبحث عن الذات: اليوم، وبعد مرور نحو سبعة عقود من الاستقلال، لا يزال السودان يعاني من توترات داخلية واحتقانات اجتماعية وصراعات سياسية. بينما يواصل المواطن السوداني البحث عن مأوى آمن، وبينما يخرج شباب السودان للبحث عن آفاق جديدة في الخارج، يظل الوطن الأم محاصرًا بين الفجوات السياسية والفشل الاقتصادي.

لكن رغم كل ذلك، تبقى هناك بارقة أمل لدى الكثير من السودانيين في الخارج والداخل، فالروح السودانية تمتلك القدرة على التكيف والاستمرار. ومع التغيرات السياسية المستمرة في السودان، يمكن أن يجد هذا الوطن نفسه في يوم ما، بعدما تكتمل جوانب العدالة الاجتماعية والسياسية، قادرًا على طي صفحات الفراق وإعادة بناء ما تم تدميره على مدار عقود

*الخاتمة: وطن مصاب بمرض الفراق: في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل سيشفى السودان من مرض الفراق؟ هل سيمكنه بناء وطن موحد يعبر عن جميع أطيافه الثقافية، أم سيظل يسير خلف استقراره المفقود؟ يبقى الجواب غير واضح، ولكن ما نعلمه يقينًا هو أن السودان لن ينسى آلامه، ولن يتوقف أبدًا عن السعي للسلام والاستقرار، حتى لو استمر الفراق لأجيال أخرى.

*كاتب صحفي مصري