آخر الأخبار

نشوء الأحلاف ونمو المحاور.. البحر الأحمر كساحة لإعادة تشكيل النفوذ(2-2)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*إن ما تشهده (منطقة البحر الأحمر  خليج عدن – القرن الإفريقي)، يمثل لحظة إعادة اصطفاف كبرى، لا تقوم على الشعارات الأيديولوجية، بل على من يملك مفاتيح الجغرافيا ومن يضمن الممرات ومن يضبط الفوضى و من يفرض إرادته. وفي هذا السياق، يمكن رصد أربعة مسارات متداخلة تُنذر بتشكّل محاور واضحة المعالم: أولًا: محور الإمارات – إسرائيل  الوكيل المحلي.. محور السيطرة غير المباشرة وتفكيك الدول.. يتكون هذا المحور من (الإمارات العربية المتحدة

إسرائيل)، وحلفاؤه هم حلفاء الإمارات المحليون في اليمن (المجلس الانتقالي الجنوبي وأذرعه)، والفاعلون المسلحون أو كيانات وظيفية في السودان والصومال من مليشيات و جماعات مسلحة.

*طبيعة هذا المحور، هو محور عملي تنفيذي لا يحتاج إلى إعلان رسمي.ويعتمد على إدارة الموانئ والقواعد والجزر، واستخدام الوكلاء المحليين بدل الجيوش النظامية، وخلق وقائع جديدة على الأرض ثم السعي لتكريسها سياسيًا.

*من أهداف هذا المحور الاستراتيجية، تطويق البحر الأحمر من الجنوب (باب المندب – خليج عدن)، تحييد أو إضعاف الدول المركزية (اليمن، السودان، الصومال)، ضمان أمن الملاحة الإسرائيلية في إيلات، وتحويل الجغرافيا إلى أحزمة نفوذ مرنة بدل دول قوية.

*من أخطر سمات هذا المحور، أنه لا يسعى إلى الاستقرار، بل إلى إدارة الفوضى بما يخدم السيطرة.

*ثانيًا: محور السعودية – مصر السودان – إرتريا:

(محور حماية الدولة والممرات)

يتكون هذا  المحور من (المملكة العربية السعودية، جمهورية مصر العربية، السودان – الدولة- الجيش وليس الفاعلين غير النظاميين، وإرتريا).. و حلفاؤه هم الحليف السعودي في اليمن (الدولة اليمنية – الشرعية أو ما تبقى منها).

*طبيعة هذا المحور، هو محور دول سيادية تقليدية. يقوم على منطق حماية الدول من التفكك، ومنع ظهور كيانات موازية تهدد الممرات.. الحفاظ على وحدة الأراضي.. من اهداف هذا المحور الاستراتيجية حماية قناة السويس وباب المندب، منع تحويل اليمن والسودان إلى منصات نفوذ معادٍ، منع تدويل البحر الأحمر خارج الإطار الإقليمي، وكبح أي ترتيبات تمس الأمن القومي المصري أو السعودي.

*أبرز نقاط قوته أنه يمتلك الشرعية الدولية والجغرافيا والكتلة السكانية، و أبرز نقاط ضعفه بطء الحركة السياسية مع التردد في الحسم، والميل إلى رد الفعل أكثر من المبادرة.

*ثالثًا: محور تركيا – مصر – السودان – قطر(محور الموازنة الاستراتيجية الناعمة).. يتكون هذا المحور من (تركيا، مصر – بصورة متحركة لا ثابتة، السودان، وقطر)..

طبيعة المحور أنه ليس تحالفًا صلبًا حتى الآن، بل تقاطع مصالح قابل للتحول إلى محور يقوم على

النفوذ السياسي، بناء القدرات، والحضور الإنساني والاقتصادي.

*أهداف هذا المحور الاستراتيجية منع الاحتكار الإماراتي–الإسرائيلي للمشهد، إعادة التوازن في القرن الإفريقي، دعم الدولة الوطنية مقابل الكيانات الوظيفية، وتأمين البحر الأحمر دون عسكرة مفرطة.

*تكمن أهمية هذا المحور، في أنه يشكل وزنًا موازنًا دون أن يصطدم مباشرة بمحور السعودية – مصر

كما يمكن أن يعمل كـجسر بين محاور متعارضة.

 

*رابعًا: موقف الولايات المتحدة: الحقيقة الأهم هي أن أمريكا ليست محورًا، بل “مدير مسرح”. ودورها الاساسي على هذا المسرح، أنها لا ترغب في سيطرة إسرائيل منفردة، ولا فوضى شاملة تفلت من السيطرة. كما تسعى إلى إدارة الصراع لا حسمه، إبقاء الجميع تحت سقف “اللا غالب ولا مغلوب”، وضمان حرية الملاحة دون الانخراط المباشر.

*كذلك فإن امريكا تستخدم ادواتًا معروفة منها الضغط السياسي، العقوبات، وإدارة المسارات الدبلوماسية، وترك هامش حركة للحلفاء الإقليميين مع ضبط السقف.

*يتلخص كذلك موقف امريكا من المحاور، في أنها تغض الطرف عن تحركات الإمارات ما دامت لا تُشعل حربًا كبرى، تحتاج السعودية ومصر لضمان الاستقرار، تراقب تركيا دون صدام، وتدعم إسرائيل لكنها لا ترغب في انفلاتها الاستراتيجي.

*نخلص من كل ذلك و بتحليلٍ مركزٍ، في أننا أمام ثلاثة محاور إقليمية محتملة، وفاعل دولي يدير التوازن: محور تفكيك وإدارة الفوضى (الإمارات – إسرائيل – الوكلاء) محور حماية الدولة والممرات (السعودية – مصر – السودان – إرتريا). محور الموازنة وكبح الاحتكار تركيا – مصر – السودان – قطر).. والولايات المتحدة ليست في أحدها بالكامل، لكنها تملك حق الفيتو على انفلات أيٍّ منها.

*إذا كان البحر الأحمر هو محور الصراع، فإن السودان ليس تفصيلاً على هامشه، بل مركز ثقل جغرافيا وموانئ وعمقًا. ومن ثم فإن معركة السودان ليست فقط معركة قتال و عمليات عسكرية، بل معركة شكل الدولة؛ دولة متماسكة قادرة على حماية مفاتيحها، أم كيانٌ هشّ تتنازعه المحاور وتتعامل معه القوى بقاعدة تقاسم النفوذ.

*وفي لحظة نمو الأحلاف والمحاور، يصبح معيار النجاة واحدًا، وهو أن تستعيد الدولة وتدها الصلب (وحدتها، مؤسساتها، جيشها، اقتصادها السيادي)، لأن من دون ذلك يتحول البحر الأحمر من فرصة تاريخية إلى فخ استراتيجي.

*إن ما نشهده ليس صراعًا بين دول، بل صراعًا بين نموذجين؛ نموذج الدولة القوية التي تحمي الممر البحري المهم و تحافظ على مصالحها و أمنها القومي، ونموذج الكيان الوظيفي الذي يُدار لخدمة محور. والبحر الأحمر، في هذه اللحظة التاريخية، لا يحتمل إلا واحدًا منهما. إن مستقبل البحر الأحمر قد لا تُرسم فيه خرائط النفوذ بالأحبار و الأقلام والاتفاقيات وحدها، بل بقدرة هذه الدول على البقاء دولًا، وامتلاك الإرادة لفرض رؤاها و حماية سيادتها.